أمريكا، الخطأ والإرادة في المسألة السورية

المقال المقروء:

– – – –

بين فينة وأخرى، يتبرع أحد الكُتاب أو المُحللين المؤيدين للثورة السورية بتحذير الولايات المُتحدة من المزيد من “الأخطاء” التي ترتكبها في المسألة السورية. والتي صارت، حسب هؤلاء، أخطاء فادحة، تمسُ المصالح الأمريكية العُليا وأمنها القومي!!.

فسوريا صارت دولة مُسيطر عليها عسكرياً ومالياً من قِبل إيران، ومُهيمنٌ عليها سياسياً من قِبل روسيا، وهُما قوتان إقليمية ودولية مُناهضة للنفوذ والسياسة الأمريكية، وباتا يُسيطران على هذه الدولة الحيوية، سوريا، كنتيجة للسياسات الأمريكية. فوق ذلك، يُضيف هؤلاء النُصحاء، فأن السياسية الأمريكية في سوريا تتسبب بالمزيد من سوء الثقة بها من قِبل حُلفائها الإقليميين، فما تُمارسه بحق المُعارضة والشعب السوري، دلالة على مدى استهتارها، وبذا فأنها ستفتقد المزيد من ثقة باقي حلفائها.

يُشيّد البناء المنطقي لهذا التحليل على أساس بسيط يقول: الولايات المُتحدة ما تزال القوى العُظمى الوحيدة في العالم، وهي ذات مصالح كُبرى في مُختلف مناطق العالم، ومنها أكثر أقاليم العالم حيوية، الشرق الأوسط.

ضمن هذا المنطق، فأن سوريا دولة مركزية بالغة التعقيد والأهمية ضمن الشرق الأوسط. لذا فأن الولايات المُتحدة يجب أن تكون بالغة الاهتمام بالمسألة السورية، وأن تكون بالذات في دفة القوى المؤيدة لثورة الشعب السوري، الساعي لامتلاك حقه في الحُرية والديمقراطية. لأن ذلك سيعني بأن سوريا ستخرج من محور الممانعة العربي الشرق أوسطي، وستؤثر بشكلٍ إيجابي على كامل مُحيطها الجُغرافي والسياسي، وستكون أقرب للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.

بالرُغم من الترابط المنطقي لتلك المُحاجاة، إلا أنها تقوم على عدد من الأخطاء التكوينية في كُل فقرة منها.

فالولايات المُتحدة لم تعد تعتبر نفسها القوى العُظمى الوحيدة في العالم، هذا ليس الواقع الموضوعي في العلاقات الدولية فحسب، لكنه خيارٌ استراتيجي أمريكي بالأساس. فبعد الحربين المريرتين في كُل من افغانستان والعراق، صارت السياسة الأمريكية ترى بعينها فداحة اندراج وتفاعل الولايات المُتحدة في كُل الملفات العالمية، وكيف أن القوى الدولية الأخرى تستغل غرق الولايات المُتحدة في أوحال المشاكل الدولية. لذا فأنها صارت تفضل أن تكون شريكاً من موقع القوي في المشاكل الدولية، وليس الطرف الذي يتبنى حل كُل القضايا الدولية.

الخطيئة الأخرى في ذلك المنطق كامنة في اعتبارها أن الشرق الأوسط ما زال منطقة حيوية في العالم، بالرُغم من افتقاد النفط لأسطورته، وعدم حاجة اسرائيل لأية حماية من القوى الدولية، وبالذات الولايات المُتحدة، وطبعاً بعد ربع قرن من نهاية الحرب الباردة. دون وعي ذلك، لا يُمكن فهم استهتار الولايات المُتحدة السياسي بمنطقة الشرق الأوسط، وانسحابها نحو منطقة شرق آسيا، التي صارت مركزاً للاقتصاد والانتاج العالمي.

ثالث الأخطاء هي الاعتقاد المُسطح بأنه ثمة تعارض وصراع مفتوح بين محور الممانعة العربي الشرق أوسطي والولايات المُتحدة، وأن الأخيرة أنما تُلح على الدوام لإضعاف ذلك المحور، لصالح محور الاعتدال العربي. تكاد الأحداث مُنذ رُبع قرنٍ وحتى الآن أن تثبت عكس ذلك تماماً. فالولايات المُتحدة توافقت تماماً مع إيران في حربي أفغانستان والعراق، وأنها سلمت الدولة الأخيرة لُقمة سائغة لمحور الممانعة. كما أنها تعمل على الدوام لغض النظر عن سلوكيات النِظام السوري ودعم استقراره، حتى في المراحل السابقة لاندلاع الثورة السورية. كما أنها تخلت عن جميع قادة وأنظمة الاعتدال العربي بشكلٍ مُلفتٍ للأنظار، وبالذات في تونس ومصر.

ترسم تلك الخطوط الثلاث أساس السياسة الأمريكية تجاه سوريا، سواء النِظام أو المُعارضة ومطالب الشعب السوري. فالسياسية الأمريكية تجاه سوريا مبنية جوهرياً على الاعتزال وعدم والاهتمام، خلا الاندفاع الجزئي في بعض مناطقه، كمُحاربة تنظيم داعش شمال شرق سوريا. وترك باقي المُجريات لحالها، لتُديرها روسيا وتُركيا والأردن، بتأثيرٍ نسبي منها.

لذا، فأن الموقف “الغريب” للولايات المُتحدة تجاه المسألة السورية لا يُبنى عن خطأ استراتيجي حسبما يعتقد هؤلاء المُحللون، بل على أدارة وإرادة سياسية واعية، تعتقد بأنها صارت دولة مُتعبة من شدة التدخل والانفراد بالملفات الدولية، وأن شرق آسيا وقارتي أوربا وأمريكا الجنوبية هي المراكز الحيوية للاقتصاد العالمي، وأن الضغوط غير العسكرية على إيران وباقي الدول الحليفة لها أكثر جدوى وأقل تكلفة من المواجهة العسكرية، وأن النِظام السوري ما زال الأكثر قُدرة على تأمين أعلى مستوى من الهدوء مع إسرائيل، حيث أن أي حربٍ معها، هو العامل الوحيد الذي سيدفع الولايات المُتحدة لأن تنخرط في الشرق الأوسط دون أية حسابات أخرى.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...