أنقاض وصواريخ برسم البيع في الغوطة الشرقية

“الناس لجأت لأكياس النايلون كي تستخرج منها بنزين ومازوت، وذلك بعد استعمالها سابقاً لمادة البلاستيك، المفقودة حاليا”، يقول عامر، وهو صاحب محل لبيع الأنقاض في الغوطة الشرقية، فيما يشرح أبو مازن، أحد أهالي مدينة دوما، الوضع المزري الذي وصلت إليه المعيشة في الغوطة الشرقية: “هناك عوائل ليس لديها معيل أو مسؤول، تجدها بالقرب من الحاويات تفتش على فتات خبز أو بقايا طعام مرمي، إن وجد!”.

بعد أن كانت تمثل سلة دمشق الغذائية وواجهتها الخضراء، أضحت غوطة دمشق الشرقية بمدنها وبلداتها المحاصرة، مكاناً يعج بآلاف المحاصرين من الجوعى والمشردين والعاطلين عن العمل، في ظل ظروف معيشية صعبة للغاية، دفعت بالعديد من الأهالي للسعي المتواصل بحثاً عن أي عمل أو مهنة يزاولونها لكسب قوت يومهم، علماً بأن الدخل اليومي لصاحب أفضل مهنة بالغوطة، لا يتجاوز ثمن نصف كيلو غرام من السكر.

– – – –

“هذه المهنة كان يعمل بها سابقاً عدد قليل من الناس، ولكن الآن انتشرت بشكل أوسع، بسبب استحالة دخول أي بضاعة من خارج الغوطة”، يضيف عامر الذي يقوم ببيع وشراء مخلفات القصف من الناس، ويوضح “من تعرض منزله للقصف، فإنه يقوم ببيع ما تبقى منه، من بلاستيك، حطب، أبواب، ألمنيوم، سجاد، بواري الصحية، حتى الصاروخ عندما يهبط في مكان ما، يقوم الناس بأخذه وبيعه”.

ويؤكد عامر بأن مادة البلاستيك اختفت تماماً من أزقة وشوارع مدينته دوما، بعد أن قام الناس بجمعها وإعادة تصنيعها بطرق بدائية، مستخرجة منها الوقود، ويشير أن أهالي الغوطة عثروا على ضالتهم في مخلفات منتج آخر: “الآن حتى البلاستيك لم يعد متوفرا، لذلك لجأ الناس لاستعمال أكياس النايلون كي يستخرجوا منها بنزين أو مازوت، ولكن ماذا بعد أكياس النايلون الله أعلم”.

– – – –

ويضيف “أما بالنسبة للمواد الأولية من نحاس وحديد وألمنيوم، فلا يمكن الاستفادة منها في ظل انقطاع الكهرباء المستمر، وعدم وجود معامل وعدم توفر آلات من أجل إعادة تصنيعها أو تهيئتها، على عكس البلاستيك، الذي تم إعادة تصنيعه وتحويله لاستخراج  بعض المحروقات”.

رفض التخلي عن مهنته مبتكراً حلول بديلة للاستمرار

أبو محمد، كان يملك معملاً لصناعة الأحذية سابقاً، وعقب الحصار أصر على الاستمرار بمزاولة مهنته المتوارثة عن أبيه، لذلك قام بافتتاح محل لتصليح الأحذية، كما يذكر “أنا أعمل بهذه المهنة منذ وقت طويل، ولكن المشكلة بأن مصلحتنا هذه تعتمد على الكهرباء بشكل كبير، مثلاً نحن نحتاج ماكينة للدرز، وماكينة للأحذية القاسية، وهذه الآلات تعمل على الكهرباء بشكل أساسي”.

– – – –

ويتابع “إلا أن الكهرباء مفقودة منذ بداية الحصار، وإن توفرت، فثمنها باهظ للغاية، لذلك قمت بإدخال بعض التعديلات على الآلة، والتي تعمل بواسطة الكهرباء، ليصبح العمل عليها بشكل يدوي، بعد إضافة بكرات ومسننات وقشاط، حيث يقوم العامل، والذي يقف أمام الآلة بتدوير العجلة يدوياً بواسطة مقبض، بينما أقوم أنا بالشروع في العمل”.

تعد هذه الطريقة عملية نوعاً ما، وتوفر على الزبائن دفع المزيد من النقود، فبعد أن كان تصليح الحذاء يكلف نحو 400 ليرة سورية، أضحى الزبون يدفع بحدود 100 ليرة فقط، إلا أن هذه العملية تحتاج لجهد بشري كبير، بحسب ما يقول أبو محمد: “الأجرة التي أتقاضاها تعد شيئاً رمزياً، فنحن لدينا تكاليف ثمن (الخيط والكلف والزيت والمشمع)، بالإضافة لأجرة العامل الذي ينقطع نفسه وهو يقوم بتدوير عجلة الآلة طوال النهار”.

وينوه “بأن المعاناة لا تقتصر على هذه المهنة فحسب”، لافتاً إلى أن “العديد من أصحاب المهن في الغوطة الشرقية باتوا يعملون بشكل يدوي في ظل انقطاع الكهرباء المتواصل، كالنجار مثلاً، أو الحداد والذي أصبح لا يستعمل الكهرباء سوى لعملية اللحام”، ويختم أبو محمد بأن “الوضع المعيشي والمهني صعب جداً، اليوم كيلو السكر ـبـ 4000 ليرة تقريباً، وثمن 400 غرام من الملح 900 ليرة”.

الغوطة الشرقية تقتلع أشجارها لتدفئ أبناءها

“منذ 2012 ونحن نعاني من مشكلة الحطب، وذلك بسبب عدم وجود بديل له، حتى وصل سعر الكيلو لأكثر من 350 ليرة”، يشتكي أبو حسن، وهو يعمل برفقة شريكه أبو مازن في تقطيع الحطب، مضيفاً “مشكلة الحطب وقلة المحروقات هي من أوصلتنا لهذه المصلحة، سابقاً كنّا نمتلك محلات، وكان عملنا بالحلويات والبوظة”.

– – – –

 

 مشاكل عديدة تعاني منها الغوطة الشرقية كغياب المواد الأولية، وقلة التصنيع، وغلاء الأسعار وانتشار البطالة بين أبنائها، إلا أن خسارة الغوطة الأكبر، كما يوضح أبو حسن، تتمثل في انتشار بعض مظاهر التصحر، وفقدانها لبساتينها الخضراء وأشجارها المثمرة، يختم أبو حسن “الناس أصبحت تقتلع الأشجار من الشارع ومن البساتين المثمرة، شجيرات مشمش وخوخ وإجاص، كلها تقطع لتباع كحطب”.

نبذة عن الكاتب

Loading Facebook Comments ...