السينما كإدانة للنِظام السوري

المقال المقروء:

– – – –

بعد سنوات قليلة، رُبما لن يجد المراقبون والمحللون أكثر من السينما السورية الراهنة قُدرة على تفسير طبيعة النِظام السوري الحالي، وبالتالي إدانته، سياسياً وأخلاقياً وتاريخياً. فلو شاهد أي مُراقب حصيف فيلماً مثل “مطر حُمص” للمُخرج جود سعيد، أو فيلم “رد القضاء، أسطورة سجن حلب المركزي” لنجدة اسماعيل أنذور، ومثلها الكثير من الأفلام التي انتجت في السنوات القليلة الماضية، بتوجيهٍ وإدارة وتمويلٍ من النِظام السوري وحلقة المؤسسات الرديفة له، سيُدرك بجلاء فداحة أحوال السوريين وما فعله هذا النِظام بهم، على أكثر من مستوى وشكل.

في عقود حُكم حافظ الأسد، كان ثمة ديناميكية إعلامية وفنية ضخمة لتمجيد النظام، وبالذات رأسه الحاكم، ورد أي نقد موضوعي لهُما. لكنه أيضاً كان ثمة حيزٌ، ولو متواضع، للسينما السورية الأصلية، لتقول أشياء غير مُطابقة لمزاج النِظام ورغباته.  فقد انتج نبيل المالح ومحمد ملص وأسامة محمد، وغيرهم الكثيرون، أفلاماً سينمائية جدية تماماً، تقول أشياء ما منطقية عن أحوال الحياة العامة السورية، بالرُغم من كونها غير واضحة تماماً في رأيها وتحليلها المباشر لبُنية النِظام الطائفية وسلوكياته الوحشية، خلا فيلم أسامة مُحمد “خطوة خطوة” الذي يبقى الأكثر جرأة ومباشرة في تاريخ السينما السورية. حيثُ لغير صُدفة تراجيدية فأن الكثير من هذه الأفلام، كانت، وما تزال، ممنوعة من العرض والتداول في سوريا، بالرُغم من كونها من إنتاج المؤسسة العامة للسينما.

لا تقول الأفلام الراهنة ما يُلاقي دعاية النِظام السوري وتمجيده وأسطرته فحسب، بل تندفع نحو أشكالٍ مُركبة من الحط العام للأخلاق والذوق والمنطق، يوازي كم الانحدار الأخلاقي الذي يعيشه النِظام السوري، والذي يسعى لأن يزرعه في المُخيلة العامة السورية.

فليس في هذه الأفلام بشرٌ عاديون، لهم مشاكلهم وقضاياهم وجدالاتهم وحتى تناقضاتهم، بل ثمة ملائكة وشياطين فحسب. النِظام السوري ومؤيدوه وخطاباته، وطنيون طيبون طاهرون محبون كاملو السمات، فيما الآخرون أشرار متربصون عُملاء وحشيون تجاه أهلهم وبِلادهم والإنسانية جمعاء. فهذه النظرة، غير أنها تخل بعدالة ما يجب أن يُسرد عن الوقائع السورية تماماً، فأنها تنتسب إلى وعي ذو منبت أسطوري قروسطي، مُشبع بُمخيلات الشر والخير المُطلق، القادرة بجلاء وبساطة على اسباغ سمات الحيونة والتشرير الاطلاقي على الأنداد والخصوم الطبيعيين، الذين هُم كُل مُعارضي النِظام السوري في حالة السينما السورية هذا، وبذا فتح الباب أمام تحطيمهم ومحقهم بشكلٍ مُطلق.

على نفس المستوى فأن هذه السينما خالية تماماً من أية مواضيع، من الجدالات والقضايا والخلافات. خالية حتى من المكاذبات التقليدية التي كان النِظام السوري في زمن الأسد الأب يُدافع عنها، عن العروبة والوحدة والأمة والتصدي والصمود. السينما الراهنة هي فقط حكاية ساذجة عن فكرتي الخير والشر، عن أنا الخيرين وأنا الأشرار، وصراعهُما المُطلق على لا شيء. وهي في دلالتها الأعمق بُراهنٌ واضح على خلو ذات النِظام من اية قضية كانت، أو قُدرته على تبني أية قضية، حتى لو كانت مُختلقة. فالنِظام السوري حسب المُراقب الحصيف لهذه السينما يظهر كذات سلطوية ليس لها من غريزة سوى السُلطة عبر العُنف الأعمى.

كذلك فأن هذه السينما تُجبر بشراً طبيعيين على الخضوع لمنطقها. فعدد هائل من الممثلين والفنانين والفنيين السورين العاملين في قطاع الانتاج الفني، الذين رُبما لا يؤمنون بدعاية النِظام السوري، أو قُل لا يؤمنون بها إلى هذا الحد الأسطوري، يشاهدون أنفسهم منخرطين في هذه الديناميكية الضخمة التي تُخضعهم لهذا المنطق الأرعن. بمستوى أقل، فأن ملايين السوريين، الأطفال والبسطاء منهم بالذات، يخضعون لمجزرة المنطق والمُخيلة والكذب التي تُبث في مثل هذه الأفلام. وهي عادة ما تتقصد اشكالاً عاطفية من الخطاب، كدموع الأمهات ووداع الأحبة وفقدان الأطفال والموسيقا الشاعرية، لتغطية فداحة أفعالها المُخلة بكُل عدالة وحقيقة.

كانت الأفلام السينمائية القليلة التي بقيت للسوريين من حُقبتي الستينات وأوائل السبعينات، بما تُظهره من رفاه وحُريات مدنية في الحياة العامة، أكبر دلالة وصورة مُثبتة على ما فعله البعث والأسد الأب بالسوريين فيما بعد. على نفس الدرجة ستكون السينما السورية الراهنة دلالة على ما قد يرتكبه الفن من جريمة تجاه أعظم ما فيه، تجاه روح الجمال والبهاء الذي من المفترض أن تكون ذاته.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...