تجنيس في دمشق وريفها والقصير: كيف ولماذا يغير النظام التركيبة الديمغرافية؟‏

أواسط الشهر الحالي، قال “رئيس الهيئة السورية لشؤون الأسرة” محمد أكرم القش إن التقديرات تشير أن عدد سكان سورية اليوم بلغ 28 مليوناً، منهم 21 مليوناً داخل البلاد حالياً، موضحاً أن نحو 7 ملايين خارج البلاد.

سخر المعلقون من التصريح الذي يبدو في ظاهره غبياً ينكر هول الكارثة ويقلل من أعداد النازحين واللاجئين والمفقودين ومن قضى في الحرب، ولكن هل يصدر تصريح عن النظام لمجرد إطلاق التصاريح؟ وما الذي يدفع مسؤولاً لم يسمع به ولا بمنصبه السوريون من قبل أن يطلق هذا التصريح المثير للجدل في هذه الفترة؟ وما الذي يبحث عنه النظام من هذا التصريح؟

باتصال مع مصدر في مؤسسة تجارية تعمل مع أفواج العراقيين القادمين إلى دمشق بشكل شبه يومي، يقول: عندما بدأ الحديث عن مصادرة الأراضي وبيع البيوت والعقارات للإيرانيين منذ 4 سنوات كنا نسخر من هذه المعلومات، إذ كان الأمر في وقتها محدوداً جداً ضمن نطاق بعض البيوت القديمة المحيطة بمقام رقية في حي الأشراف قرب المسجد الأموي، ولكن اليوم هناك آلاف الوحدات السكنية التي تباع بوكالات حقيقية بعلم أصحابها ورضاهم ورغبتهم أو بوكالات وهمية فُقد أصحابها أو قُتلوا أو فرّوا خارج البلاد هرباً من النظام أو من الحرب أو من الوضع الاقتصادي على حد سواء.

يضيف المصدر أن الميليشيات العراقية والإيرانية تفضل العمل مع سماسرة يسيطرون على حلقات الربط والعمولات، بينما ازدادت حركة قدوم عائلات المقاتلين في الميلشيات، مشيراً إلى سعي المقاتلين لشراء البيوت القريبة من مقام رقية في قلب العاصمة السورية، أو محيط مقام السيدة زينب في ريف دمشق ومناطق الحجيرة والذيابية والحسينية وصولاً إلى نجها جنوب شرق دمشق، ومؤخراً باتت أراضي داريا ومحيط مقام سكينة “المزعوم” من ملكية هؤلاء عبر وكالات وهمية أو عن طريق ابتزاز صاحب الأرض إن كان موجوداً على الأراضي السورية.

وفي منطقة القصير وقراها، ابتداءاً من جوسية ووصولاً لمنطقة شنشار جنوب غرب مدينة حمص، والتي سيطر عليها حزب الله اللبناني، يتكرر السيناريو المريع، إذ يقوم السمسار اللبناني بالاتصال بمن يمتلك حصة في الأرض ويعرض عليه عرضاً مقتضباً “بتبيع أو نعمل وكالة؟”، وفي الغالب يفقد صاحب الأرض الأمل في الحصول حتى على ثمن هذه الأرض، فينسى ملكيته لها تجنباً لأي عملية خطف لاحقة لبيع الأرض وقبض ثمنها،

ويقول مواطن متحدر من إحدى أشهر العائلات المسيحية في المنطقة إن جده تناسى أراضيه الواقعة في منطقة القصير بعد أن ورده اتصال من هذا النوع، إذ كان لديه يقين كامل بأنه سيتعرض للخطف والتصفية إذا قبض دولاراً واحداً من هذه الميليشيات، ففضل مبدأ “العوض على الله” على أن يخاطر بحياته، وفق ما يذكر حفيده.

وعلى صعيد التجنيس يوضح المصدر الذي يعمل مع الأفواج القادمة من إيران والعراق أن غالبية اللبنانيين من أتباع حزب الله أو عراقيي الميليشيات حصلوا على الهوية السورية في العام المنصرم، وهم ينالون الطبابة المجانية في المشافي العامة، ويتقاضون مرتبات هزيلة أسوة بعناصر الدفاع الوطني. ويتملك هؤلاء البيوت والأراضي على الهوية السورية التي منحهم إياها النظام، إذ باتوا قادرين على تملك بيت بثمن يتراوح في العموم بين 20 إلى 40 ألف دولار، وينشط حضور عائلاتهم في فترات المناسبات والأعياد الدينية الشيعية، ثم يغادرون إذا ساءت الأوضاع الأمنية ولكنهم يعودون باستمرار ويصطحبون المزيد من أفراد الأسرة، ويركز النظام على منحهم القيد في مناطق دمشق مدينة وريفاً بمنحهم أرقام قيد جديدة وقديمة في مناطق مختلفة من المدينة وريفها.

ويسيطر حزب الله وميليشيات فاطميون على الأمن في منطقة باب توما امتداداً للشاغور وللقيمرية في قلب دمشق القديمة، ويسمى عناصرهم بالأمن الوقائي، ويسيطرون على كل مفاصل الحياة في هذه الأحياء، من شراء وإيجار وتأجير، ويعاني أهل هذه الأحياء من انتشار هذه الميليشيات بين ظهرانيهم، فيما لم تعد الكلمة العليا للنظام في مقابل تحكم طهران وأدواتها بكامل التفاصيل، لذا لجأت بعض العائلات إلى بيع بيوتها والخروج من الحي أو من البلد ككل بعد قبض مبالغ مجزية.

عملية التجنيس الضخمة التي قام بها النظام تتزامن مع تقارير إخبارية تتحدث عن مقترح للحل في سورية يقوم على تنظيم انتخابات بإشراف دولي. فتجنيس الملايين يجعل النظام قادراً، بقوة القانون الدولي والسوري، على كسب أي معركة انتخابية قادمة، إضافة لضعف وانعدام وجود خصوم لبشار الأسد في أوساط المعارضة السياسية.

وحسب إحصائيات المكتب المركزي للإحصاء فإن عدد سكان سوريا في 2010 بلغ حوالي 23 مليون و700 ألف نسمة، بينما يقول تصريح رئيس الهيئة السورية لشؤون الأسرة أن عدد السكان حالياً هو 28 مليون نسمة منهم 21 مليون داخل سورية، فيما تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن نصف مليون سوري فقدوا حياتهم خلال الحرب، وسجلت التقديرات وجود أكثر من مليون مصاب ومقعد وعاجز جزئياً أو عاجز كلياً، وتشير دوائر الهجرة في البلدان التي يتواجد فيها سوريون إلى قرابة 10 مليون سوري بصفة لاجئ أو طالب للحماية، بينما تقول أرقام النظام بثلاثة ملايين ونصف تقريباً، عدا عن عشرات آلاف المعتقلين والمختفين قسرياً.

يضيق المجال لتحقيق بحث رقمي دقيق الآن، فهناك مصادر موثوقة يمكن العمل عليها لدحض ما يورده النظام من أرقام، ولكن لا يمكن النظر بسذاجة إلى ما يصرحه النظام عن أعداد السكان أو اللاجئين أو الفارين من أتون الحرب.

نبذة عن الكاتب

وائل عبد الله

وائل عبد الله، خريج كلية الإعلام، قسم التعليم المفتوح. حاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يعمل حالياً كاستشاري في قطاع إدارة المخاطر.

Loading Facebook Comments ...