شارع عصفور في مدينة الباب

يزعجني الغضب غير المتناسق مع حجم المشكلة، وغضب البعض من قضية عامة لا تستحق كل هذا الغضب المرفق بحجة حادث ما، ولكن مع التدقيق تجد أن لحظة غضب أحدهم كانت نتاج سلسلة من الحوادث المكبوتة لسبب ما. من دون قصد لمست السيارة كتف رجل يمشي وما أن التفت نحوي حتى بدأ بالصراخ ورفع صوته علي، وما كان مني إلا أن تابعت السير دون الالتفات إليه والدخول في سجال، حتماً، لا نهاية له.

لم أجد في عيني الشاب الذي بدأ يصرخ في وجهي رجلاً غاضباً، وإنما وجدت رجلاً يستجدي، من خلال غضبه، من يسمعه ومن يساعده في حمل نزوحه وقصص المهربين وسماسرة العقارات عليه.

وقعت الحادثة في شارع عصفور، الشارع الضيق نسبياً بوجه المارة فيه والذي يعتبر السوق العام في مدينة الباب بريف حلب الشرقي. شارع بمجرد مرورك به تستطيع زيارة أربع محافظات سورية بخمسة دقائق.

الازدحام في شارع عصفور يتناسب طرداً مع الأخبار العالمية والسياسية وارتفاع سعر الدولار وسيطرة جهة ما على مدينة ما في سورية.

مع موجة التهجير الذي تعرض لها حي الوعر الحمصي أواخر شهر نيسان من هذا العام، زادت نسبة الازدحام في شارع عصفور، وسرعان ما قتل الحنين قلوب المهجرين، ليبدؤوا بكتابة أسماء محلاتهم بخط كبير بحجم الحنين والشوق لمدينتهم، لتجد محلاً لبيع الفروج المشوي باسم أبو فاضل (فرع الباب) ومحلاً لتصليح الإلكترونيات باسم (برنس حمص).

أيضاً، ومع سيطرة نظام الأسد والمليشيات الشيعية المساندة له على مدينة دير الزور وأجزاء من ريفها، زادت نسبة الازدحام في شارع عصفور، وما أن يسيطر نظام الأسد على مدينة ما حتى يزداد الازدحام في الشارع، ومع سماح “قوات سوريا الديمقراطية”-قسد لمدنيين بالخروج من “سجن عين عيسى” كما يصفه أحد أبناء دير الزور، تزداد نسبة الازدحام في الشارع لتجد سوريين من دير الزور وحمص وحلب والرقة في شارع واحد.

شارع كان في السابق مقصد النساء للبحث عن نصيب لأولادهن، أما اليوم فيعج بمحلات مسماة باسم مدن مسلوبة من أصحابها بحجة محاربة الإرهاب، ويثقل الشارع بهموم المارة، ويتحول فضاء لرمي الهموم ومواساة النفس وتفريغ الغضب.

عند سماع رشقات من الرصاص في المدينة، يسألني البعض عن طريق رسائل الواتس-أب عن مصدر إطلاق الرصاص، وبدون تفكير أكتب” يمكن من شارع عصفور”. يتبين فيما بعد أنه بالفعل مصدر إطلاق الرصاص. وبمجرد بحث بسيط عن سبب المشكلة تجدها لا تستحق الذكر، ولا تستحق حتى الصراخ والانفعال، ولكن أيضاً، وبمجرد بحث بسيط عن هوية من أطلق الرصاص، تجده من بلدة ما بريف دير الزور كان نظام الأسد سيطر عليها مؤخراً، وقامت المليشيات المساندة له بالتمثيل بجثة رجل من عشيرته. ومع البحث عن هوية رجل أخر ضرب رجلاً آخر، تجد أن كلا الرجلين يحملون على أكتافهم مدنهم المسلوبة منهم.

أثناء سيرك في الشارع، تسمع لهجات مختلفة وكلمات ربما تطرق أذنك لأول مرة وأغاني صادرة من المحلات يغلب على طابعها الحنين والشوق للمدن، وتتعرف على ثقافة أربع محافظات على الأقل.

يصعب على المجتث من أرضه أن يخبرك ما يجول في قلبه، تثقل خطواته في شارع عصفور بحجم همه، ولحرصي على سماع قصص السوريين أذهب ليلاً بعد إغلاق المحلات أسال الشارع عن أوجاع من مروا به اليوم، يخبرني قصصهم وقصة امرأة كانت خطواتها غير متناسقة، يعتقد الشارع أنها زوجة مفقود لا تعرف مصير زوجها إن كان ميتاً أم على قيد الحياة.

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...