نجاح البقاعي.. الصندوق الأسود لسجون النظام

 احتضنت إحدى قاعات العرض في جامعة باريس السابعة، في مبنى يعود لطواحين قديمة، مجموعة من لوحات الفنان التشكيلي السوري نجاح البقاعي (مواليد حمص ١٩٧٠). أعمال رسمت بأقل قدر من المواد، وبقدر كبير من التقشف، ذلك لأنها تسجّل تجربة فريدة عاشها الفنان في سجون النظام السوري، وهي هنا أقرب إلى صور ناجية حفرتها الذاكرة، كما لو أنها تلك الرسومات التي تخرج من قاعات المحاكم حينما لم يكن مسموحاً للكاميرا أن تدخل إلى هناك، مع فارق أن الصور هذه المرة بريشة السجين نفسه، لا بريشة رسام محايد.

الرسوم علقت على جدران المعرض العارية المتروكة على حالها، كما لو أنها بالفعل جدران سجن، ترك الفنان معظمها من غير إطار، بل هو أصرّ على نزع الإطار عن بعضها. مثل تلك الأشياء التي يحفرها نزلاء السجون بأظافرهم.

تجسد الأعمال أوضاعاً مرعبة في وحشيتها، بدءاً من أصناف التعذيب وبعض أدواته، من الكرسي الألماني إلى الشبْح وسواهما، إلى أوضاع السجناء في المكان حيث الاكتظاظ في مساحات ضيقة يجعلها كعلب السردين. صور لسجناء عراة تقريباً، بأجساد نحيلة وعيون غائرة، فيما تتكرر وضعية أشبه بلازمة موسيقية مأساوية: سجناء يحملون جثة زميل لهم.

معرض الفنان (كان في إطار فعاليات حملت عنوان “سوريا: البحث عن عالم”) جاء من غير عنوان، ولوحاته كذلك، ولدى سؤاله ما العنوان الذي كان يمكن له أن يضعه لمعرضه، قال الفنان مستوحياً تلك اللازمة: “أربع مسلّخين وبطانية”، ذلك أنها العبارة الطاغية التي كان يسمعها السجناء في أقبية ذلك الفرع الأمني، الذي اعتقل فيه الفنان لمرتين، إثر مشاركته بفعاليات مناهضة للنظام بعد اندلاع الثورة، الأولى في العام ٢٠١٢، والثانية في ٢٠١٤. يقول الفنان “أنت هنا كأنك في معبر الموت. سجنت في المرة الأولى ورأيت تلك الفظائع، أما المرة الثانية فقد جاءت كأنما من أجل التأكد أنني رأيت ما رأيت فعلاً”.

يتحدث الفنان عن مشاهداته هناك فيقول “في المساء كان يأتي كميون (شاحنة) حاملاً جثث سجناء جُمعوا من الفروع الأمنية المحيطة بالفرع ٢٢٧، هنا كان السجان ينادي “أربع مسلّخين وبطانية”، (المسلخين هم السجناء العراة)، يتراكض هؤلاء لحمل الجثث من الكميون إلى الأقبية، في انتظار الكميون الكبير في صباح اليوم التالي الذي يبدو أنه مرّ بمختلف الفروع حاملاً ما لديها من جثث، لنعود ونخرج جثث الأمس إلى هذا الكميون، الذي غالباً ما كان يأخذها إلى مقبرة”. ويؤكد الفنان أن عدد مشاهداته من الجثث اليومية كان يتراوح بين ثلاث وثلاث عشرة جثة.

ولدى سؤاله كيف أثرت تجربة الاعتقال بعمله الفني، أجاب الفنان “أعتبر أن هذا المعرض وهذه اللوحات شهادة لا تجربة فنية”. وأضاف “لنقل إن الثورة عموماً غيّرت بي وبتجربتي. في البداية لم أستطع الرسم، من جهة بسبب عدم الاستقرار، حيث كنت هارباً على الدوام، ومن جهة أخرى لأنني لم أعد أعرف ما أرسم”.

وأضاف البقاعي “البحث مستمر بالنسبة لي، أريد الخروج من هذه الحالة، حيث يجري تصنيفك ودعوتك على أساس معين، كلاجئ، كمعتقل سابق، وصاحب شهادة. في وقت عندي شوق كبير للألوان”.

لكن هل من السهل أن يتجاوز الفنان تلك التجربة الاستثنائية، يجيب البقاعي “تبقى هذه التجربة مثل صندوق أسود، تظل ترافقك حتى الموت. حتى لو تغيرت ورحت أرسم نساء، أو زخرفة على سبيل المثال، لا بد أن يظهر فيها التأزم والعنف والغمّ. وبالمناسبة هذا ملاحَظ دائماً عند فناني الشرق الأوسط”.

ويختم الفنان السوري بالقول “على كل حال تجربتي قبل الثورة لم تكن بعيدة عن هذه الأجواء. حيث رسمت الحرب والضعف البشري. أنا لست مزيناً، وإلا لكنت عملت دهاناً أو مصمم ديكور (وسبق لي أن عملت بالفعل في تلك المهن)، فإذا لم يكن لدى الفنان قضية والتزام فإن عليه مئة إشارة استفهام”.

نبذة عن الكاتب

راشد عيسى

صحفي وناقد فلسطيني سوري

Loading Facebook Comments ...