تمرين ذهني لاختبار القوميّة والطائفيّة

المقال المقروء:

– – – –

مرت أحداث كركوك التي جرت في أواسط شهر أيلول المُنصرم دون أن يشهد الكُرد تعاطفاً سياسياً وثقافياً شعبياً واضحاً، من العراقيّين وأبناء الإقليم الشرق اوسطي على حدٍ سواء. فإعادة الجيش العراقي و العشرات من فرق مليشيات الحشد الشعبي الطائفية الرديفة له سيطرتها على مُحافظة كركوك وباقي المناطق المُتنازع عليها، ظهرت وكأنها إجراءات اعتيادية!!.

حسب تفاصيل الحساسية القومية والطائفية، كان ثمة تناقض واضح في تلك المُجريات: فالجيش العراقي الذي لا يُشكل الكُرد حتى 2% من قواته، يسيطر ب”قوة الدولة” الرعناء، وبتحالفٍ مع الدول الإقليمية، على منطقة يُشكل فيها الكُرد أغلبية سُكانية واضحة. فللكُرد ثمانية نواب من أصل أثني عشر نائباً من الممثلين لمُحافظة كركوك في البرلمان المركزي، ويشغل الكُرد 26/41 من أعضاء مجلس محافظة كركوك، حيث كِلا التمثيلين ثُبتا من خِلال انتخابات شرعية اشرفت عليه الحكومة المركزية العراقية، وهُما يدُلان على أنه ثمة أغلبية سُكانية كُردية واضحة في هذه المُحافظة.

فوق ذلك فأن نفس الحكومة المركزية تمتنع مُنذ أربعة عشر عاماً عن تطبيق المادة 140 من الدستور العراقي، التي تُحدد الآلية التي يُمكن عبرها تحديد مصير هذه المناطق وتابعيتها. نفس الأمر ينطبق على مليشيات الحشد الشعبي، التي هي قوة عُنف طائفية تدخل مُدن وبلدات من المحافظة السُنية تماماً، وتمارس اشكالاً كثيرة من الاحتلال، الرمزي منهُ على أقل تقدير.

يسأل التمرين الطائفي القومي: ماذا لو كان العكس هو ما حدث، لو سيطرت قوة عسكرية مليشيوية كُردية/سُنية على منطقة ذات أغلبية سُكانية عربية/شيعيّة ما، بالرُغم من إرادة سُكانها المحليين!!. أية موجة رفضٍ وشجبٍ واستغرابٍ كانت ستطال ذلك الفعل!!. فالكُرد حينما سيطروا على مُحافظة كركوك في صيف عام 2014 أثناء موجة الهجمة الداعشية، وبطلبٍ واضحٍ من الحكومة المركزية، ودون عُنف وهيمنة رمزية على السُكان، طالتهم كُل اشكال الشجب والاتهام، أقلها أنهم يسعون لتأسيس اسرائيل ثانية.

على نفس منوال المثال السابق، يُمكن بناء عدد لا نهائي من المصفوفات الافتراضية، التي تُثبت كُل واحدة منها بأن سلوك التعاطي والتفاعل مع الأحداث وقياسها وإحالتها إلى الطائفية والنزعة القومية في منطقتنا لا تتم حسب معيارٍ دقيقٍ وواضح. بل أنه ثمة قوة قهرية مركزية في كُل دولة، مادية ورمزية، تسعى بسُلطتها العُنفية على فرض رؤيتها لما هو طائفي وقومي وما هو غير ذلك.

لنفترض مثلاً أنه غداة الهجوم المريع على مسجد بلدة العريش المصرية قبل اسابيع، لنفترض أن تنظيماً مُسلحاً ما، خرج وأدعى بأنه تنظيمٌ قُبطي عالمي، يُكفرُ المسلمين ويسعى للقضاء عليهم، وأدعى أن عملية مسجد العريش واحدة من العمليات الكثيرة التي سيقوم بها ضد المُسلمين. وقتها، هل لأحدٍ أن يتخيل ردة فعل الإسلاميين والمحافظين والمؤسسات الدينية المصرية الإسلامية تجاه نظيرتها التي لأقباط مصر، وحتى تجاه المُجتمع القُبطي!!، أية موجة عُنف وتكفيرٍ وتخوينٍ وصِدامٍ أهلي كانت ستطالهم!!، فقط لأنه ثمة تنظيمٌ إرهابي أدعى بُطلاناً بأنه ينتمي ويمثل الأقباط والديانة المسيحية.

لكن العكس تماماً جرى مراتٍ كثيرة، فالعديد من التنظيمات الإرهابية التي ربطت اسمها بالإسلام، هاجمت الكنائس والأديرة القُبطية المصرية عشرات المرات. لكن هجماتها تلك، لم تجر موجات رفضٍ وعنفٍ وصدامٍ طائفي، ولم تتجاوز ردة فعل الأقباط الشجب والدعوة للتمسك بالوحدة الوطنية، بينما كان شيوخ المؤسسات والأحزاب الإسلامية يجتهدون بالقول أن مثل هذه الجماعات لا تمثل الإسلام الحق، ويستهدفون تشويه صورة الإسلام والإسلاميين. دون أن يخوضوا حرباً واضحة المعالم ضد تلك التنظيمات الوحشية.

في سوريا ولُبنان يُمكن للمرء أن يرسُم العشرات من مثل تلك الأحداث المُتخيلة، كأن يفترض ردود الفعل على مُهاجمة  متطرفين سُنة قُرى علوية أو مسيحية، ومدى ما سيجره ذلك من ردة فعلٍ مُضاعفة. في وقتٍ تسيطرُ فيه قوى وميليشيات علوية وشيعية بشكلٍ يومي على مُدنٍ وبلدات سُنية، وكأنه أمرٌ اعتيادي!!.

في المُحصلة، ثمة في كُل دولةٍ قوة هيمنة مركزية، تمزج سُلطتها المادية والسياسية بالكثير من السيطرة الرمزية، التي تمنحها الحق والقوة لفرز نفس الأحداث الطائفية والقومية حسب معايير مُختلفة تماماً، مناسبة وموالية على الدوام لمركزة المزيد من هيمنة تلك القوى الحاكمة، مادياً ورمزياً.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...