أحمد شفيق: تأثير الدومينو معكوساً

لم تمهل السلطات الإماراتية رئيس الوزراء المصري السابق، أحمد شفيق، الكثير من الوقت. ففي اليوم التالي لإعلانه من أبو ظبي عن عزمه خوض الانتخابات الرئاسية المصرية في 2018، أعلن شفيق أنه ممنوع من السفر لأسباب لا يعرفها. وبعد تلك الواقعة بيومين، وفي الثاني من الشهر الحالي، وصل الرجل، الذي كان مستشاراً سياسياً للشيخ خليفة بن زايد، رئيس دولة الإمارات، إلى مطار القاهرة في ملابسات غامضة، فمحاميته وأفراد من أسرته صرحوا لوسائل الإعلام أنه في حكم المختطف قسرياً.

في النهاية، ظهر الرجل، الذي خسر الانتخابات الرئاسية في عام 2012 بفارق ضئيل، في أحد البرامج التلفزيونية المصرية، ليعلن عن تأنيه في قرار خوض الانتخابات، وبعدها في أحد الفنادق، تحت حراسة تمنع تواصل وسائل الإعلام معه. كان الأمر الأكثر إثارة في كل هذا، أن دراما استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، من الرياض، والتكهنات التي لحقتها حول اختطافه في السعودية، لم يكن قد مر عليها سوى بضعة أسابيع، كان الأمر يشبه موجة من موجات تساقط الدومينو المتتابعة.

 لا يمكن الادعاء بأن هناك تشابهات حقيقية بين الواقعتين، سوى عامل الإثارة التلفزيوني. فاحتجاز الحريري، والذي ظهر كحلقة أخيرة من سياسيات التدخل الإقليمي المعتادة في الشأن الداخلي اللبناني، تمادت في وقاحتها، يختلف بالطبع عن وقائع ترحيل شفيق، التي جاءت في إطار التعاون الأمني التقليدي بين الأنظمة الحليفة في المنطقة. إلا أن الرعونة المبالغ فيها، وغير الضرورية، في الواقعتين، وتجاوزهما للأعراف السياسية في المنطقة، المتواضعة بالأساس، ربما تؤكد، بشكل أو بآخر، على تحول في إدراك الأنظمة العربية الحاكمة لطبيعة علاقتها بعضها ببعض، ومصائرها المشتركة.

فمصطلح تأثير الدومينو، الذي استخدمه لأول مرة، الرئيس الأمريكي أيزنهاور، في عام 1954، حمل دلالة سلبية، في السياسة الغربية، بوصفه تهديداً بسقوط دول العالم النامي واحدة بعد أخرى في يد الشيوعية. إلا أن ما أطلق عليه نعوم تشوميسكي، “خطر المثال الجيد”، تبدلت دلالاته مع تتابع الثورات الملونة، وسقوط الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية واحداً وراء آخر.

كان “المثال الجيد”، الذي قدمته تونس، سرعان ما تلقفه المصريون من بعدهم، في يناير 2011، وسرعان ما تساقطت أحجار الدومينو لاحقاً في ليبيا، وسورية، واليمن، والبحرين. لم يكن هناك الكثير من المشتركات في كل تلك الانتفاضات، ولا في طبيعة الأنظمة الحاكمة التي قامت ضدها، ولا السياق السياسي والاجتماعي لبلدانها. لكن تلك المفاعيل السحرية لتأثير الدومينو، لم تكن مدفوعة بإيديولوجيا “عروبية” تقليدية، تربط بين حراك الجماهير العربية كما في الماضي، بل ببساطة بإدراك بديهي بأنه لو نجح التوانسة في إسقاط بن علي، فلماذا لا يمكننا نحن أيضاً، وهكذا. كان اهتزاز أسطورة الاستبداد العربي المؤبد هو ما قاد الكثيرين للاقتناع بأنهم يواجهون مصيراً مشتركاً عبر الحدود، ومن منطلقات جديدة واستثنائية تتجاوز أناشيد القومية من الستينات البائدة.

لكن درس المصير المشترك، كانت قد تعلمته الأنظمة الحاكمة أيضاً أكثر من غيرها. فالحرب السورية، التي لطالما استخدمها النظام الحالي الحاكم في مصر كأداة خطابية للترهيب، كانت مثالاً نموذجياً لـ”خطر المثال الجيد” معكوساً. كان اجتياح قوات مجلس التحالف الخليجي في البحرين، منذ البداية، وتدخل السعودية لفرض تسوية في اليمن، إبان الثورة، ولاحقاً التورط فيها عسكرياً، وكذا التدخل الإماراتي المصري في ليبيا، لصالح أحد أطراف الصراع المسلح هناك، وغيرها من عشرات الأمثلة للتدخل المباشر، أو عبر وسطاء محليين، وتبدل لتلك للتحالفات، يتم الإشارة إليها عادة كصراع جيوسياسي، متعلق بمصالح القوى المؤثرة إقليمياً، أو صراع بين السنة والشيعة، ومنافسة بين السعودية وإيران على نطاقات النفوذ. وبالطبع كل هذه عوامل مؤثرة، لكن واحداً من أهم النقاط الغائبة عن التحليل، أن تلك الصراعات والتدخلات المباشرة التي تتورط فيها النخب الحاكمة في دول المنطقة، محكومة بإدراكها لهشاشتها المشتركة ومصيرها الواحد. هكذا يبدو ما يجري في بيروت يمثل تهديداً للرياض، أو بالأحرى ما يقرر في الرياض له أن يؤثر فيما يجري في أماكن أخرى كثيرة، وما يحدث في القاهرة ودمشق وصنعاء مؤثراً في دبي وبنغازي، وغيرها، ولذا لا يبدو الأمر مستغرباً، أن ينتهي شفيق بكل تلك السرعة، من ضيف وحليف قديم في الإمارات إلى سجين فندقي في القاهرة.

نبذة عن الكاتب

شادي لويس

كاتب وباحث مصري، حاصل على شهادة الماجستير في علم النفس من جامعة إيست لندن، يكتب المقال في عدد من المواقع والصحف العربية

Loading Facebook Comments ...