دمشق كالقدس أيضاً ليست مدينة واحدة

المقال المقروء:


– – – –

يفتح القرار الأرعن الأخير للرئيس الأمريكي تجاه مدينة القُدس، يفتحُ  سؤالاً غير تقليدي بالنسبة للسوريين: هل القُدس وحدها مدينة مُقسمة في عالمها السُكاني والرمزي والثقافي والاقتصادي والسياسي والحياتي، بين شرقية عربية إسلامية/مسيحية تاريخية تقليدية، وبين غربية مُحدثة اسرائيلية يهودية.  أليست دمشق أيضاً كذلك بالضبط، في كُل تفاصيلها وطبائعها وحيواتها اليومية، مُنذ قُرابة سبعة سنوات وحتى اليوم. إذ ثمة دمشق الجنوبية والغوطة الشرقية، المُحاصرة الجائعة الفقيرة المعارضة المحافظة والمُتعبة، وثمة دمشق الأخرى، دمشق المركز والأحياء الغربية بالأساس، المرفهة الغنية الهادئة العادية الموالية المتصالحة مع الاستبداد وسلوكياته.

ما ينطبق على دمشق راهناً ينطبق على أغلب المُدن السورية، بدرجات متفاوتة، حسب تاريخية هذه المُدن ووسعها. ففي كُل مدينة ثمة انقسام مُجتمعي وحياتي وجغرافي لمدينتين مُتجاورتين، لم تظهر تناقضاتها بهذا الوضوح في مرحلة ما قبل الثورة، بسبب ضغط كثيفٍ من خِطابات الوطنية ودرجة الضبط الأمني والتفاعل والتداخل بين هذه المُدن المُتجاورة في مدينة واحدة.

لكن انقسام دمشق بمركزيتها ورمزيتها وتاريخها ووسعها إلى مدينتين متخاصمتين إلى هذا الحد، تُشكل دلالة على أحوال سوريا والسوريين، التي تعيش اشكالاً مُركبة من الاحتلال، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. كان هذا التناقض في مراحل كثيرة من عُمر الكيان السوري احتلالاً داخلياً، تمارسه المُدن الكُبرى المركزية تجاه الأطراف القصية الريفية، وتمارسه الطائفة والقومية المركزية رمزياً تجاه الطوائف والقوميات الأخرى، لكن تحوله راهناً إلى نوعٍ من الشقاق الداخلي ضمن المدينة الواحدة، التي تمارس أجزاء منها احتلالٍ على أجزاء أخرى، يدل على ما أصاب الاجتماع السوري من تدهور.

في نصف قرنها الأخير، عاشت دمشق ثلاث تجارب قاسية للشقاق الداخلي، كانت مُحصلتها وصول أحوال المدينة إلى ما هي عليه راهناً:

في عقدي الخمسينات والستينات، كان مركز المدينة وقواه النخبوية، بالذات السياسية، تنزاح لأن تكون قومية، بينما كانت الأرياف الطرفية، التي صارت بالتقادم جزء من المدنية، كمناطق المزة والغوطة والسبينة ودُمر، ما تزال متمسكة بتراثها التقليدي المُحافظ، الريفي المُتدين. كان تلك النزعات القومية واليسارية نتيجة لتحول المركز إلى سُلطة بيروقراطية وحكومية وإدارية واقتصادية على كامل البِلاد، ينمو فيها اقتصاد الخدمات والتعليم والطبقة الوسطى، بينما كانت الأرياف المُحيطة تدخل دورة اقتصاد الريف الذي يُقدم مُنتجاته للمدينة المتوسعة.

في عقدي السبعينات والثمانينات، كانت نِظام حافظ الأسد قد قسم المدينة عملياً إلى شطرين مُتقابلين: الوسط والأحياء الغربية لمؤسسات نِظامه ومئات الآلاف من العساكر الريفين الذين استقدمهم من مناطق بعيدة واسكنهم في المدينة، بعدما قدم لهم تسهيلات مفتوحة للبناء والتوسع والنشاط الاقتصادي المُتجاوز للقانون الذي يُطبق على باقي مواطني المدنية. في وقتٍ كانت الأحياء الشرقية والجنوبية تنزاح تجاه الإسلام السياسي والقومية الناصرية، كردة فعلٍ على السياسات الطائفية التي كان الأسد الأب ينتهجها. ففي حين كان انقسام المدينة في عقدي الخمسينات والستينات طبقياً وثقافياً، فأن انقسام عقدي السبعينات والثمانينات كان رمزياً وطائفياً محضاً.

في عقدي التسعينات والعشرية الأولى من الألفية الجديدة، خضعت المدينة للانقسام جراء الخيارات الاقتصادية الرعناء لنُخبة الحُكم، الذي انتج النهب العام وسياسات سوء المسؤولية تجاه الطبقة الأوسع من السُكان. فتطور المركز والأحياء الغربية لتكون تعبيراً عن نهوض الجيل الثاني والثالث من أبناء الذين هيمنوا على البلاد سياسياً واقتصادياً ورمزياً، بينما اُتخمت الأحياء الشرقية والجنوبية من المدينة بالأحياء العشوائية والمصانع والورش غير المُراقبة. كان الانشقاق الاقتصادي الذي عانته المدينة  طوال عقدين، قد ترافق مع موجهة هائلة من المهاجرين السورين إلى مدينة دمشق، من الذين اُنهكوا من سوء التنمية في مناطقهم الطرفية، بعدما تمركز الرأسمال السوري في يد طبقة سورية فحسب. وفوق ذلك، فأن انقسام السنوات الأخيرة كان مُركباً على عوامل ايدلوجية وثقافية وطائفية دون شك، كان الفرق الهائل بين القوة الشرائية والقدرة على الرفاه ومستوى الخدمات العامة بين المنطقتين، دلالة واضحة على آلية الهيمنة والاحتلال التي لطرفٍ من المدينة على آخر.

كانت الثورة بمثابة الأداة التي مزقت قُماشة الحياء الزائف، قالت حقيقة المدينة دون خجلٍ ومؤاربة، بوضوح وعنف لا يُمكن ستره قط.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...