أمل حويجة.. صرخة في البرية

أمس أطلق ماوكلي، فتى الأدغال، صرخة عظيمة. لم يحتمل، هو الذي عاش في الغابة متبنّى من قبل ذئب، وطامحاً بكل طاقته لإثبات جدارته وانتمائه لقطيع الذئاب بعد أن التقطوه ورعوه وأحسنوا تربيته، لم يحتمل منظر الدم بين البشر، أطلق صرخة هائلة يصعب أن نشهد مثلها بين الكائنات، قال إنها من أجل أطفال سورية، من أجل أطفال العالم.

قال ماوكلي “أنا غاضب منكم أيها البشر، وراغب من كل قلبي أن أعود إلى الغابة. أنتم تقتلون! أنتم لا تشبعون من القتل. أنتم تحبون الحروب وتسحقون الأطفال وأنتم تبتسمون! سأبكي لأجل أطفال سورية، لأجل أطفال العالم”.

ثم يطلق ماوكلي صرختَه، بكاءه، الذي يستحيل لكائن أن يصمد أمامه من دون أن تفيض عيناه بالدمع. ذلك أنه لم يكن بكاء بشرياً، بل بكاء ذئب، بكاء حيوان جريح.

ماوكلي لم يكن سوى الفنانة السورية المبدعة أمل حويجة، التي التصق اسمها بفتى الأدغال الكرتوني الشهير، بعد أن لعبت شخصيته في النسخة العربية من تلك السلسلة. فتى الغابة لم ينته مع انتهاء المسلسل، فقد عاش مع الناس، وكذلك مع الفنانة التي راحت تبعث عبره رسائلها هي، كممثلة وكاتبة مسرحية، لأطفال العالم، وما رسالتها الغاضبة، بكاؤها، سوى آخر رسائلها الإبداعية عبر شاشة التلفزيون.

دخلت حويجة عالم المسرح مع بداية الثمانينيات من القرن الماضي، فترة تصفها (في فيلم تسجيلي جميل عنها بتوقيع الإماراتية نجوم الغانم) بأنها غنية بالتحولات والمشاريع والأحلام الكبيرة، لذلك فإن المسرح لم يكن ممكناً من دون أن يكون على قدر تلك الأحلام. هذا ما تعلمتْه على الخشبة، لذلك يصعب أن تذهب إلى أي مكان من دون تلك الروح الطامحة بالتغيير، والطافحة بالأمل.

بؤس المسرح في بلادنا، لأسباب معلومة تقريباً، من بينها طغيان الاستهلاك والتلفزيون وسيطرة الفاسدين والرقابة على حرية الإبداع، دفع حويجة مع العشرات من خريجي المسرح إلى البحث عن لقمة العيش في دبلجة المسلسلات الكرتونية. هناك قدمت عشرات الشخصيات، التي اشتهر منها خصوصاً “ماوكلي” و”الكابتن ماجد”، وهي تحكي إلى الآن عن “ماوكلي” كما تتحدث عن شخصية مسرحية، بل كما لو أنها قصة عشق لم تنته فصولها، ولا تريد لها أن تنتهي.

لعل الفنانة نفسها فوجئت، بأن هذا الملاذ المؤقت (الدوبلاج)، الذي لطالما حاولت مع زملائها الهروب منه، بإمكانه أيضاً أن يحمل رسائل، وبإمكان المرء أن يقول شيئاً من أحلامه هناك، وأن بإمكانه الوصول إلى الناس شرقاً وغرباً. ليس هناك مثال أوضح من حويجة نفسها، فصوتها قابع في وجدان الملايين من الناطقين بالعربية، والذين لا بدّ لهم أن قضوا وقتاً ما أمام أبطال الكرتون التلفزيونيين.

لكن الدوبلاج لم يتسع لها، كما لم يتسع لها بلدها، قصدت الخليج قبيل الثورة ببضع سنوات، على أمل أن تعود بعد عام إلى رفاق خشبة المسرح مع تمويل يكفي لمشاريعهم. لكن السنة امتدت إلى سنين طوال، قضتها الفنانة بين أسئلة البقاء والعودة، وحين حسمت أمرها بالعودة في العام 2010 اشتعلت الثورة بعد شهور فقط من عودتها، ورغم أملها بسورية جديدة، لم تر حولها سوى الدم والحداد، على ما تقول في الفيلم التسجيلي “أمل”. وفي وقت كان فيلم نجوم الغانم ذاك يهيئ للختام مع عودة الفنانة إلى بلدها، عاد واستأنف التصوير من جديد حين قررت حويجة مغادرة سورية عائدة إلى الإمارات، ولا ندري مع أي أمل هذه المرة.

لم يخطئ الفيلم في عبارة الختام حين وصف أمل حويجة وأمثالها من الفنانين بأنهم “رهائن الهامش”، غير أنه قدّم هو نفسه سيرة ولا أجمل لهؤلاء الذين يعيشون في الظل، من دون بوتكس ولا سيليكون، ولا أضواء اجتماعية مزيفة. لعل الفيلم أراد أن يبحث علاقة الوافدين الأجانب إلى مدن الخليج عبر نموذج حويجة، لكنه في النتيجة قدّم مثالاً لحياة فنان سوري عاش في بلده من غير أمل. تحلم في سلمية (وتلك مسقط رأسها) ودمشق بالسفر إلى العالم الرحب، فيما يدفعها العالم الرحب في كل لحظة للعودة إلى شوارعها السورية الأليفة.

الهامش في النهاية ليس مكاناً سيئاً للعيش، فغالباً ما جاء بناة العالم وصنّاع الأمل من هناك. بالنسبة لي، كلما أردت أن أتذكر جانباً مضيئاً في المسرح السوري، على الرغم من كل شيء، لا يحضر في بالي سوى مشاهد قليلة، من بينها واحد لأمل حويجة وهي تؤدي دوراً في مسرحية “الخادمات”. كانت لصق الجدار على يمين الخشبة تحدّق تماماً في الضوء وتقول شيئاً عن “جرس الشروق اللذيذ”، وتمطّ الياء في كلمة “اللذيذ” قدر الإمكان، ويمتد الأمل.

أمس، تذكرت وقفتها المسرحية تلك، مع صراخها الجريح المديد على شاشة التلفزيون، صراخها المديد، بلا أمل.

نبذة عن الكاتب

راشد عيسى

صحفي وناقد فلسطيني سوري

Loading Facebook Comments ...