باترسون لجيم جارموش: عن سائق الحافلات الذي يكتب الشعر

‏”أظن أن كل أفلامي ستكون عن أشخاص هامشيين و دخلاء”

– جيم جارموش

قدم المخرج الأميركي جيم جارموش فيلمه الأخير باترسون العام الفائت مشاركاً به في مهرجان كان ‏السينمائي. باترسون الشخصية الرئيسية التي نعايشها ضمن سبعة أيام من حياتها قدمها ‏جارموش ضمن أيام تتميز برتابتها وإيقاعها المتسم بالتكرار، وعلى غرار ما قدمه سابقاً لم يسع ‏لخلق وابتداع قصة مثيرة ذات بنية واضحة تحوي بطلاً، بل كان باترسون اسماً اشتركت به كل من ‏المدينة والشخصية والفيلم ليخلق لنا إحساساً غامراً بالمغزى.‏

لماذا باترسون؟ 

الشخصية التي نتتبعها بصرياً لنشاركها أفعالها اليومية والتي تغدو بعد يوم أو اثنين من الأيام ‏السبعة وكأنها سلسلة تعليمات سيحفظها المتلقي ليلقنها لباترسون: استيقظ، لا تزال نعساً، انظر ‏لساعتك، استدر، انظر لزوجتك النائمة، قبّلها، انهض، ارتدِ ملابسك المرتبة، وامشِ للمطبخ ‏واصنع الحليب مع رقائق الحبوب، امشِ لمحطة الحافلات حيث ستعمل لبقية يومك، استغل الدقائق ‏القليلة وأخرج دفترك ودوّن ما تفكر فيه، حان وقت العمل، سيقاطعك الآن زميلك الهندي، حاول أن ‏تستمع لمشاكله، انطلق، ستستمع لحديث أو اثنين في ورديّتك الحالية، حان وقت الغداء، عند ‏شلالات باترسون ذاتها.. أخرج حقيبة الطعام وتناول الوجبة ذاتها، استغل ما زاد من الوقت مع ‏دفترك ودوّن ما توقفت عن تدوينه صباحاً، عد للعمل، اعمل لساعتين إضافيتين، حان وقت ‏العودة، امشِ للبيت، أصلح صندوق البريد الذي يرفسه الكلب دوماً، استمع لزوجتك وما فعلته ‏خلال النهار، اجلس لطاولة الغداء وشارك في حديث بسيط، حان وقت جولتك برفقة الكلب، أدخل ‏للحانة ذاتها واشرب البيرة، تكلّم مع صاحبها العجوز واستمع لأحاديث أهل المدينة، عد ونم، وأعد ‏الكرّة في اليوم التالي.

باترسون الشخص الفاقد الشغف لا ‏يبدو مستمتعاَ بأي تفصيل، حتى أنه لا يخلق أي فضاء خاص به

لا تبدو حياة باترسون قابلة للفت النظر لها وتناولها في فيلم، باترسون الشخص الفاقد الشغف لا ‏يبدو مستمتعاَ بأي تفصيل، حتى أنه لا يخلق أي فضاء خاص به سوى مكتبته بالغة الصغر في ‏قبو منزله ودفتره الصغير الذي يدون به أشعاره، على خلاف زوجته التي لعبت دورها الممثلة ‏الإيرانية غولشيفته فرحاني التي تبتدع كل يوم فكرة جديدة للمنزل الذي لا تغادره سوى نادراً، ‏فتلوّن المنزل بألوانها وزخرفاتها مولدة عالمها الخاص وفارضة شخصيتها على المحيط، من ‏ستائر الحمام والمطبخ إلى تلوين الجدران ورسم لوحات لكلبها واقتناء غيتار لتتعلم العزف والغناء ‏وابتداع زخارف على قطع الحلوى لتقديمها في مهرجان محلي، بينما باترسون يعيش ضمن هذه ‏الزخرفات والألوان دون استياء أو إبداء أي شعور آخر سواء كان حبّاً أو كرهاً. عالم زوجته يحيط ‏به ويبدو في لحظات وكانه الدخيل الغريب على هذا العالم. حتى الكلب الذي يكن كرهاً وغيرة ‏واضحة من باترسون ينتمي لهذا المكان، فلوحات الزوجة للكلب تزين المكان والكلب يجلس على ‏كرسي باترسون ويرفس صندوق البريد قبل عودته في كل يوم وتنتهي به الحال لتمزيق دفتر ‏أشعار باترسون في اليوم الذي يخرج به مع زوجته للسينما.‏

اعتدنا أن نشهد في سينما جارموش وجود شخصية من جذور ليست أمريكية توضع في مواجهة ‏الإنسان الأميركي، نتلمس فيها الشغف والحلم والهدف، وتعطي هذه الشخصيات نظرة ساخرة للحلم ‏الأميركي وهالة العالم الجديد، ولعل فيلمه “أغرب من الفردوس”- ‏Stranger Than Paradise‏ ‏هو الأكثر وضوحاً في هذه النظرة، إذ يرصد مهاجرين من المجر أحدهما مضى على وصوله يوم ‏والآخر عشر سنوات، فنشاهد عبر سلسلة متقطعة من الأحداث أميركا في منظار كل من ‏الشخصيتين ومحاولة التخلي عن الجذور لخلق حياة جديدة، وفي فيلم آخر وهو “يسقط ‏بالقانون”- ‏Down by Law‏ نرى ثلاثيّاً يتشاركون غرفة السجن ويهربون منها في النهاية إلى ‏الحرية ونيل فرصة جديدة في الاستمرار، رجلان أمريكيان غارقان في العزلة يشعر كل منهما باللا ‏جدوى ويعانيان صدمة اتجاه الواقع وكيف انتهت بهم الحال، بينما الإيطالي روبيرتو بينيني مفعم ‏بالشغف وافد حديثاً ويريد تحقيق حلمه محفزّاً الجميع على الهرب وهو الأكثر استمتاعاً بمراحل ‏الهرب التي كانت كتجربة شيقة بالنسبة له. أما في فيلم جارموش الذي حاز على السعفة الذهبية ‏في مهرجان كان لعام 2006 “زهور محطمة”-‏‎ Broken Flowers‏ يكون أمامنا الأميركي الذي ‏لا يريد الدخول في تفاصيل حياته السابقة ولا تحفزه حتى الرسالة التي وصلته فجأة لتخلق حافزاً ‏للغوص في الماضي، وبالمقابل لدينا جاره الاثيوبي المفعم بحب المغامرة والذي أراد لحياة جاره أن ‏تشهد حدثاً جديداً وأن يكون هو محرك هذا الحدث.‏

تكوّن هذه الشخصيات المتناقضة روحاً خاصة لسينما جارموش، وفي فيلم باترسون، نرى بطل ‏الفيلم غارقاً في الرتابة فاقداً القدرة على الإتيان بأي فعل عدا الأفعال الروتينية، بالرغم من أننا ‏نرى في منزله صورة تدل على كونه جندياً سابقاً، إضافة لكونه شاعراً إلا أنه يقضي يومه كسائق ‏حافلات عاجز عن الخروج من هذه الدوامة، بالرغم من وجود مثال عن الشخصية الفاعلة والحالمة ‏نصب عينيه، أي زوجته، إلا أن باترسون لا يحرك ساكناً سوى على دفتره الذي يملؤه بأشعار ‏تعتمد وتركز على وصف الماديات ونقل الصورة الى لغة وتنسب لتيار الشعر الشيئي.‏

مع أيام باترسون السبعة، نعيش مع علاقته الخاصة بمدينته ونستطيع تلمس جمالية التكرار، إذ ‏تغدو السكينة التي يعيشها باترسون وزوجته قادرة على نقل جمال التفاصيل اليومية والعادية ‏وقادرة على ترك مساحة من خلال صمت باترسون ونقله للصور لغوياً بواسطة الشعر وتحديد ‏خصوصية علاقة الإنسان بالمدينة.‏

الشعر عن باترسون

أدرج جارموش في أكثر من مشهد لمحات عن الشاعر وليام كارلوس وليامز، سواء عن طريق ‏وجود كتابه في مكتبة باترسون أو بواسطة السائح- الشاعر الياباني الذي زار المدينة لتتبع خطا ‏وليامز. الشاعر الذي كتب قصيدة جسد بها رحلته لبتارسون المدينة في فترة الأربعينات ‏والخمسينات من القرن الماضي. قصيدة وليامز صورت جوانب المدينة من الشلالات الى الأشجار ‏وأحاديث أناسها. كان وليامز شاعراً يمتهن الطب، وعلى غرار رحلة وليامز لتدوين قصيدته، عمل ‏جارموش على نقل رحلة موازية صورياً، هي رحلة طريق سائق الحافلة الشاعر الغارق في تفاصيل ‏مدينته حتى أنه يحمل اسمها.‏

لطالما كان أبطال سينما جارموش المستقلة مستغرقين في الماضي، لم يكونوا عديمي الموهبة أو ‏عاجزين عن تحقيق شيء، إلا أنهم لا يمتلكون إرادة الفعل في الوقت الحالي. مع باترسون تنعدم ‏هذه الإرادة لتصل لحد انعدام إرادة القرار أو إرادة التغير. يمتزج باترسون مع مدينته الصامتة ‏والشاحبة يسترق السمع لأحاديث ناسها. وبتكرار تفاصيلها مع القصائد التي يدوّنها عنها تنتقل ‏علاقته الخاصة معها مشكلةً صورة عن تناغم الإنسان مع المدينة، بينما كاميرا جارموش كانت ‏تستغل كل تفصيل لخلق جماليتها الخاصة، وتستقي من ماهو يومي وعادي كالاستيقاظ موضوعة ‏لتصورها وتكررها مراراً دون أن تولد مللاً.‏

ننتظر باترسون ليفعل طوال الفيلم، ليحرك الأحداث، ولكن الأحداث هي التي تقوده وليس هو من ‏يبتدعها، ينساق معها مصوراً إياها كلغة عبر الشعر، مع هذه الرتابة وهذا الهدوء نتابع الأيام ‏السبعة بشكل يبعدنا عن صخب السينما الآن ويعطي مساحة لملاحظة جمالية الحياة العادية ‏بتكرارها وتفاصيلها الدقيقة.‏

نبذة عن الكاتب

دانة كريدي

صحفية سورية

Loading Facebook Comments ...