الأسد وثأر البطاطا

المقال المقروء:

– – – –

تبدو الأحوال السياسية المُحيطة والمُشرفة على المسألة السورية تسير عكس ما يتمناه بشار الأسد. فسبب ونتيجة استدعاءه الأخير إلى روسيا، وإن لم يظهر شيء شفاف عما جرى خلال اجتماعه المُغلق مع الرئيس بوتين، إلا أنه صار واضحاً بأن الأخير قد أخبره بضرورة اجتراح عملية سياسية ما في سوريا، وأن طموحات الأسد بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه ما قبل الثورة، ليس لها أمل بالتحقق. بدا ذلك واضحاً من خلال سلسلة الاتصالات التي أجراها بوتين مع العاهل السعودي والرئيس الأمريكي والمصري. كذلك من خلال تصريحات الأسد فيما بعد، حينما اعلن قبوله بالعملية السياسية، وتنفيذ الرؤية والإملاءات الروسية.

فيما لو بدأت هذه العملية السياسية، فأنها ستكون غير عادلة دون شك، لكن خلل العدالة بها سيكون أقل مما هي العلاقة الراهنة بين الأسد ومحكوميه. فراهناً ثمة انعدام تام للعدالة، شخصٌ واحدٌ مع حاشيته ومُناصريه، يحكمُ شعباً كاملاً، بالحديد والنار والقتل والحصار والتهجير، شيء ليس له إلا أمثلة قليلة في عالمنا المُعاصر.

لكن أياً كانت تلك العملية السياسية، فأنها يجب أن تتضمن انتخابات ما، على مُختلف المستويات. وأياً كان مستوى عدم الشفافية في تلك الانتخابات، فأنها ستعبر عن آراء ومواقف وخيارات القواعد الاجتماعية السورية الأبسط والأفقر والأكثر هامشية، لكن أولاً الأكثر تعرضاً لوحشية هذا النِظام، مُنذ قُرابة نصف قرن وحتى الآن. أي أن هذه العملية ستعني بشكلٍ ما أن هؤلاء المهمشين المقموعين يجب أن يكون لهم دورٌ ما، سُلطة وقوة ورأي ما فيما يجري في بِلادهم، أن يكونوا مسؤولين عن حيواتهم ومجرياتها، عن خياراتهم ومصائرهم.

هذا الأمر الذي سيعني بأن الثورة السورية ستعود إلى منطقها وجوهرها وسؤالها الأول: ثمة قوتان وطاقتان مُتباينتان:  النظام السوري وحاشته وخياراته السُلطوية، والأغلبية المُطلقة من الشعب السوري وسعيها الحميم لامتلاك حُريتها وكرامتها. حيث لم تكن الثورة سوى حرب ضروسة يخوضها الأول لتحطيم إرادة الثاني، وإخراجه من أي توازنٍ أو فاعلية.

مضت سبع سنوات، ولم يوفر نِظام الأسد أي شيء في سبيل ذلك، بدأ من اطلاق الرصاص على المُتظاهرين العُزل وانتهاء  بقصف المُدن والبلدات بالأسلحة الكيماوية، مروراً  بالحِصارِ والإخفاء القسري والقتل تحت التعذيب والتهجير المُنظم. لكن كُل ذلك، يبدو اليوم وكأنه لم ينفع، سيعود الأسد ونِظامه للخضوع لرأي هؤلاء، الذين ما خلصوا قط، ولم تأتي كُل اشكال العنف والتحطيم تلك على نهايتهم، قُتلوا وتشروا وغُيبوا وعُذبوا، لكُنهم بقوا الأكثر دون مُنافس.

فُقراء سوريا هؤلاء، كانوا ككُل فقراء العالم، الذين وصفهم ماركس يوماً بأنهم يتكاثرون كالبطاطا، بأعداد هائلة، ودون أن تراهم العين، دون ضجيج واعتناء. هُم فقط يتكاثرون، هذا سلاحهم الخفي وطاقتهم التي لا تُجارى، طريقة ردهم الوجدانية  الأعمق على مُعادلات الحياة، بالذات حينما تكون عديمة العدالة تجاههم، وهي غالباً ما تكون كذلك.

لا يملك الفقراء هؤلاء –البطاطا- أية عداوة ايديولوجية  أو سياسية مع الأسد ونِظامه والشبكات المُتعاونة معه، بل فقط يستحوذون على كمية هائلة ودقيقة من الحس المُباشر الرافض له، مع ذاكرة حكائية شفوية لا يُمكن محوها قط. فآلامهم وتطلعاتهم مباشرة ويومية وملموسة، يعرفون كُل تفاصيلها وتراكماتها بدقة لا يُمكن أن تُخلخل أو تجزء، يعرفون مُدنهم التي حُطمت، عائلاتهم التي فُككت، أرزاقهم البسيطة التي قُطعت، وأحبتهم الذين غادروهم دون وداعٍ لائق.

لأجل ذلك بالضبط، فأن ثأر البطاطا، فيما لو اُتيح، سيكون حازماً. إذ  لا يملكون شيئاً يساومون عليه، وحطم الأسد كُل أفقٍ كانوا يتطلعون إليه. سيثأر أهل البطاطا بأصواتهم البسيطة الخافتة التي سيضعونها في صناديق الانتخابات. سيقولون للأسد بأنه مُجرد مُجرمٍ، وسيقولون للعالم “المُتحضر” بأن المسألة السورية ليست مُعقدة قط، وأن السوريين مثل غيرهم من سُكان صخرة العالم، يستطيع أبسطهم وأفقرهم أن يُدلي بصوته وأن يقول رأيه بمصيره.

نبذة عن الكاتب

محرر الموقع

Loading Facebook Comments ...