معاناة اللهجة

منذ صغري، وكلما أجلس مع كبار السن يخبروني أن لنا أصلاً من ريف دير الزور وأيضاً في ريف حمص ويوجد من أبناء العشيرة يسكنون في السعودية، وآخرين بدو في هضبة الجولان. زارنا ابن عم جدي بعد حرب العراق (2003) في منزلنا بحي الجزماتي (حي شعبي في ضواحي حلب) وأخرج من جيب جلبابه جواز سفر عراقي، أتذكر انه عاد من السوق مزعوجاً بسبب سؤال أحد المارة له: هل أنت لاجئ عراقي؟ ليجيب أنه كيف لبدوي أن ينزح أو يلجأ وكل أرض الله منزله!

كنت كلما أسال والدي عن صحة معلومة أحد كبار السن عن جذورنا، يخبرني قصة تسبب لي النعاس وتجعلني أشبه أجدادي بشخصيات العمل الخليجي الدرامي رأس غليص، أُصاب بالنعاس من القصة التي تحكي سبب هجرة أجدادي وعن التنقل من محافظة إلى محافظة ومن بلد إلى بلد وعن سبب اختيار جدي لمدينة حلب واستقرارنا بها.

كثرة تنقل الأجداد طعّمت لهجتي بلهجات كلُّ منها منعزلة عن الأخرى، لأخلق لهجة جديدة أنا لا أفهم عليها، وهذا ما أجده عندما اضطر لسماع تسجيل صوتي لي أرسلته لأحد ما عبر تطبيق الواتس-أب لأجد أنني شخصياً لا افهم لهجتي! فكيف من أرسل لهم صوتي أثناء محادثة ما.

لم يكرمنا الله بأرض نستقر بها ونورث أبناءنا لهجة واحدة صافية لا شوائب فيها، ولعلنا نطلق على هذه اللهجة اسماً ما تحمله ويحافظ عليها الأجيال في المستقبل.

تهجرنا من حلب التي كنا غرباء فيها بسبب لهجتنا، مما كان يدفع بعض فتيات العشيرة إلى لفظ (ئدرية) بدل (جدرية) وتطعيم اللهجة الشاوية ببعض الكلمات والحروف الدلالية التي تدل على أن المتحدث حلبي الأصل.

لا في مجتمع حلب تُلصق بي صفة الشاب الحلبي ولا في محافظة الرقة (أرض الأجداد) تُلصق صفة الشاب الرقاوي، وذلك يعود إلى لهجتي المهجنة.

لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء…

اليوم أسكن في مدينة الباب بريف حلب الشرقي التي سرقت نصف عام وسبعة عشر يوماً من عمر مراهقتي، قضيتها في سجون تنظيم الدولة، واليوم أسكن فيها بعد تحريرها من التنظيم، لأسترد منها ما سرقته من عمري.

هي محطة أخرى من محطات التهجير والسكن الذي مرَّ عليّ ومرّ على أجدادي منذ عقود، لا أعلم إن كان السكن في مدينة الباب هو آخر محطاتي، لكن ثمة مصيبة، بل طامة كبرى، حلَّت عليّ، هي تطعم لهجتي المهجنة والمطعمة بالأساس باللهجة البابيّة.

منذ أيام زارني ابن عمي قادماً من محافظة الرقة في تجارة له في مدينة الباب، واستضفته في منزلي ليبدي غضبه من طريقة تلفظي بكلمات باللهجة الشاوية، فأخذ يذكرني بحياة البدو وشخصيات العشيرة التي كنت استطرد في الصغر بحلمي بأن أصبح مثلهم عندما أكبر، وراح يسترسل أمامي بأبيات شعر بدوية وينهي بيت الشعر بسؤاله عن معنى كلمة من كلمات بيت الشعر وهو يعلم مسبقاً بجهلي بمعنى بيت الشعر.

أخبرته مبرراً لفظي لكلمة ما باللهجة البابية: “والله طِلّعت هييك”. ( طِلّعِت بكسر الطاء والعين وتشديد اللام- كلمة بلفظ لهجة مدينة الباب). ليغضب أكثر مني ويقول: دَحِك ع الله، لسع يعيدها.

كما أقع بعدة مشاكل في سوق المدينة عندما أدخل إلى محل ما لشراء حاجتي، وعندما أتمرن على لفظ بعض الكلمات وكيفية لفظها باللهجة البابية، لأتفاجأ بأن صاحب المحل حمصي ومهجر أيضاً من مدينته!

ويحدث أن أدخل إلى محل أخر لأكتشف أن صاحبه ديري من محافظة دير الزور، وهذا ما يسمى لعنة اللهجات علي.

في نهاية المطاف لم يعد توحيد اللهجة يشغل بالي كثيراً، مقابل تركيزي على اسم المحل الذي قد يدل على أي محافظة ينتمي صاحبه، ومن ثم معرفة كيفية التحدث معه.

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...