البحث الشخصي عن المعنى في حضرة الموت

تبدأ جدتي حكاياتها بالقرية البعيدة التي لم أزرها يوماً. تقول أشياءَ عن حياة فقيرة وعن بيوت طينٍ وعن ملاحقات أمنيّة لزوجها، السياسي الهارب، وعن جنود يضربونها أمام أولادها. أما أنا، فذاكرتي تبدأ من شوارع القامشلي غير المعتنى بها ومن المدرسة التي نخاف أن نتحدث الكرديّة فيها، رغم أنّ معظم الطلاب لا يعرفون لغة غيرها، ومِن أعياد النوروز التي نحتفل بها علناً في سنين وسراً في سنين أخرى حسب مزاج الأجهزة الأمنيّة.

ذاكرتي مُثقلة بأحاديث سياسيّة وثوريّة كرديّة، يرجع الأصل في معظمها إلى جدي. تعود الحكايات عادة إلى فترة وجوده في إقليم كردستان العراق، الإقليم الجبال، حيث كان مقاتلاً مع حركة الملا مصطفى البرزاني الثوريّة. حكايات أخرى كانت تعود في أصلها إلى أقربائنا المقاتلين مع حزب العمال الكردستاني في جبال كردستان في الطرفين التركي والعراقي.

كان الكردي، حين كنت صغيرًا وحين كانت عائلتي تعيش في دمشق، هو من يتحدث لغة أخرى في البيت غير مسموح تداولها في أماكن العمل والدراسة. هكذا كنّا نعرِف أنفسنا. أو قد يكون هو المقاتل في أماكن بعيدة مع أعداء لنا، غالبًا أتراك، من أجل تحقيق حلم كردستان الكبرى. لاحقاً في عمر المراهقة، بعد بدء حرب العراق وخلال، وبعد، انتفاضة أكراد سورية سنة ٢٠٠٤، كان الكردي هو الكائن المُخيف. كنت أسمع في مدرستي الثانوية الطلاب يتهامسون: هذا كردي لازم نخاف منه.

حدث خلال إحدى الدورات التدريبيّة خلال الخدمة العسكريّة الإلزاميّة السوريّة في بداية القرن الجاري أن تعارف شاب كردي مع آخر قادم من إحدى قرى سهل الغاب كان يظن أنّ الكرد يأكلون البشر وكان الأهل في تلك القريّة حين يخيفُون أبناءهم يقولون: “جاي الكردي ياكلك”. الشاب الكردي هو عمي وهو من أخبرني عن هذه الحادثة.

بدأت الثورة السوريّة عام ٢٠١١ وكان الأكراد جزءاً منها. توزع الأكراد السوريون كما باقي السوريين على أطياف المعارضة المختلفة فضلاً عن مؤيدي نظام الأسد. تتالت الأحداث وكان الأكراد جزءاً منها مؤثرين ومتأثرين بما يحدث مثلهم مثل باقي الناس.

كانت عائلتنا تعيش مثل جميع العائلات السوريّة ذات الدخل المتوسط. لنا العادات نفسها تقريباً ونتشارك في معظم جوانب الحياة. كنّا عائلة سوريّة جداً.

بكلمات أخرى: كنتُ، كما كانت عائلتي، كردياً مئة في المئة وسوريّاً مئة في المئة.

البحث الشخصي عن المعنى في حضرة الموت
أكراد يحتفلون بعيد النيروز

أجلس الآن على طاولة مطبخ بيتي في برلين وأكتب هذا النص. أفكر بالبلاد. سورية بلاد بعيدة. سورية مقسمة إلى خمس دول أو أكثر. احتلالات إيرانيّة وروسيّة وتركيّة وميلشيويّة عراقيّة ولبنانيّة وأفغانيّة. مقاتلون من دول كثيرة منضوون تحت لواء داعش وغيرها من التنظيمات الجهاديّة الإرهابيّة. السوريون في حرب أهليّة مفتوحة. وفي السماء طائرات من دول غربيّة وعربيّة أكثر من أن تحصى. الدول المحيطة بسورية على شفا الانهيار.

أفكر بالأكراد وما يحدث في كوردستان العراق. لحظة الأكراد التاريخيّة الآن. تنازعني نفسي. من ناحية أنا مع حق الأكراد في الاستفتاء والاستقلال بشكل كامل دون قيد أو شرط. من ناحية أخرى أنا ضد الدول القوميّة والوطنيّة وأعتقد أنّ زمان الدول الوطنيّة وَلّى وعلينا، كبشر، التفكير بنظام عالمي جديد. أقول لنفسي: يالهذه المثاليّة الغبيّة!

أفكر بالغوطة الشرقيّة المحاصرة من قبل قوات بشار الأسد. الغوطة التي لا ماء ولا كهرباء ولا غذاء فيها منذ سنوات. الغوطة التي تُقصف بكلّ أنواع القذائف يومياً. لا معنى لأي شيء أكتبه طالما هناك إنسانٌ يموت جائعاً في بيته البعيد عن بيتي الأصل بأقل من عشرة كيلومترات.

ما معنى الهوية في أيام كهذه؟ ما معنى “كرديّتي” وما معنى “سوريّتي” طالما ينام إنسانٌ ما جائعاً؟ ما معنى الخرائط والحدود المنفلتة في بلاد تشبه مستنقعاً لا تستطيع الخروج منه، وإن خرجتْ فسوف تحملُ أوساخه معك أينما حللت؟ ما معنى كلّ هذا؟ ما معنى ألا يكون لك الخيار في اختيار أيّ شيء في حاضرك ومستقبلك؟

أفكر بأنّ لدي الكثير من الأسئلة الآن، لكن ما نفع هذه الأسئلة اليوم وما نفع الإجابة عليها طالما لا تستطيع إنقاذ شخص واحد من الموت المحتم الآتي من كلّ الاتجاهات.

نبذة عن الكاتب

دلير يوسف

‏ كاتب ومخرج من سورية، مقيم حالياً في العاصمة الألمانية برلين

Loading Facebook Comments ...