مدينة وسكّان لا مرئيون خلف “عاصمة الخِلافة”

دوّار النعيم هي إحدى الساحات المركزية في وسط مدينة الرقة، تتوسطها نافورة ودائرة عشبية، تُطلّ عليها إحدى أقدم كافتيريات الرقة، وتتفرع عنها شرايين المدينة الرئيسية. بالمحصلة، ساحة اعتيادية في مدينةٍ كُتب عليها أن تُنتزع من الاعتياد المنسي إلى أقسى درجات الديستوبيا.

مدينة وسكّان لا مرئيون خلف "عاصمة الخِلافة"
دوّار النعيم – الرقة

 

نال دوّار النعيم شهرةً عالمية حين ظهر عناصر “داعش” وهم يحتفلون به بإعلان دولة الخلافة في نهاية حزيران عام ٢٠١٤، وضمن هذه الاحتفاليات انتشر مشهد شهير للدواعش وهم يقودون عربات مدرّعة بطريقة بهلوانية ويرسمون دوائر بعجلاتها على الإسفلت بعنف. بعدها، ظهرت تباعاً مشاهد مريعة لدوّار النعيم إثر اتخاذه ساحة إعدامات مفضّلة لدى الدواعش، واستُخدمت قضبان السور المُحيط بالمستديرة العُشبية لتعليق رؤوس التعساء الذين تم إعدامهم هناك وسط هستيريا عناصر التنظيم وأنصارهم، وذهول ورعب المارّة الذين أُجبروا على التجمهر لحضور مهرجان الساديّة الداعشية.

ولكونه مسرح الغطرسة الداعشية، أضحى دوّار النعيم رمزاً لـ”عاصمة الخلافة”. وعلى غرار العادة التاريخية في اتخاذ المنتصرين أكثر الأماكن رمزيّة للمهزومين للاحتفال بانتصارهم وترك “دمغة” عار الهزيمة على جبينهم، اتُخذ مسرحاً لاحتفاليات انتصار “قوّات سوريا الديمقراطية” النهائي على داعش في المدينة، وإسقاط “عاصمة الخلافة”، الخبر الذي توالى في جميع وسائل الإعلام العالمية منذ أواسط شهر تشرين الأول- أكتوبر الماضي. بدايةً، قام عناصر قسد، في المكان نفسه، بتكرار المناورات البهلوانية بالعربات المدرّعة التي سبق للدواعش أن احتفلوا بها بإعلان الخلافة. تالياً، ظهرت مشاهد احتفال قوّات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في دوّار النعيم، ورفعهم صورة ضخمة لعبد الله أوجلان وسط الساحة، التي ظهرت مُحاطةً بالأنقاض.

في كلا المشهدين الاحتفاليين كان هناك عسكر يحتفلون بالانتصار على عدوّهم وهم محاطون بالأنقاض، في ساحةٍ قُدّمت على أنها عرشٌ داعشي بدل أن تكون إحدى بقع مدينةٍ متوسطة، تحيط بيها بيوت ومحلات تجارية ومطاعم، وأحد مشافي المدينة، ولهذا لم يكن هناك إحساس بأن في مشهد الأنقاض المتراكمة والدمار الشنيع ما قد يُعكّر صفو الاحتفال. لم يكن هناك بشر عدا العسكر يحتفلون، أو حتّى مجرّد مدنيين عابري سبيل. يبدو أن “عاصمة الخلافة” غير مأهولة. لم تكن غير مأهولةٍ فقط في تلك اللحظة، أي بعد شهورٍ من المعارك، بل إنها لم تكن مأهولةً في يومٍ من الأيام. “عاصمة الخلافة” ليست الرقة، ليست مدينة، بل هي منتج سياسي وإعلامي نتج عن تظافر الاحتلال الاستيطاني الداعشي والاغتيال الرمزي العالمي لمدينة ربما لم تكن جميلة معمارياً، لكنها لم تكن أنقاضاً؛ ولم تكن خالية من السكان، بل كان يقيم فيها أكثر من 220 ألف نسمة، أٌضيف إليهم عدد هائل من النازحين من مناطق أخرى من سورية.

خُطفت الرقّة وُوضِعت في قفص “عاصمة الخلافة”، ثم جاءت “حرب على الإرهاب” دمّرت القفص بمن فيه.

منذ أن ظهر الشبح الداعشي في نيسان ٢٠١٣، وخصوصاً بعد تحوّله إلى ظاهرة عالمية، غطّت عاصمة الخلافة، بملثميها ومسلّحيها ومشاهد الذبح والإعدام، على صورة الرقة كمدينة، يقبع أهلها ضحايا إرهاب جماعة مفرطة العُنف الإجرامي، ومعنيّة بالحكم بالرعب المُصيب بالشلل. لم يُعترف بأهل الرقة كضحايا إرهاب على قدم المساواة بضحايا العمليات الإرهابية التي شنّتها داعش في مدن أوروبية عديدة، بل لم يُعترف أصلاً بوجودهم. أهل الرقة لا مرئيين كبشر، لا تُعرف قصتهم ولا تاريخهم، ولا يُعرف، في الأوساط العالمية، شيء عن العدد الهائل من ضحايا الإرهاب الداعشي من الرقاويين. لا يُقال إن هناك مئات المخطوفين على يد داعش من أهل الرقة، كما لا يُكترث بنضال أبناء المدينة ضد داعش، أكان قبل السيطرة التامة على المدينة في أوائل عام ٢٠١٤، أو حتى بعد ذلك. لا يُعرف أن داعش لم تكتفِ بقتل وتغييب مناهضيها من الرقاويين داخل الرقة فحسب، بل لاحقت الناشطين الشباب إلى الداخل التركي أيضاً، وذبحت ناشطين شابين، ابراهيم عبد القادر وفارس حمادي في أورفة قبل عامين من الآن.

ولأن الرقة غير موجودة، مقارنةً بـ”عاصمة الخلافة”، ولأن الرقاويين غير مرئيين، أو في أحسن الأحوال كتلة سلبية (Passive) لا تاريخ ولا نضال ولا كرامة لها، ولا حقوق ولا مكانة. لم يُعترف بالرقاويين كشركاء مُحتملين في الحرب ضد الإرهاب الداعشي التي حطّمت مُجتمعهم. لم يُستشاروا ولم يُشرَكوا لا في القرار ولا في التنظيم ولا في القتال في المعارك، بل عوملوا كجهة لا يمكن الوثوق بها، كـ”بيئة حاضنة” مُحتملة قد تنقلب على مقتضيات المعركة. ولم يتوقف التجاهل عند الجانب السياسي، بل تعدى ذلك إلى الحدّ الأدنى من مقتضيات التعامل الإنساني، فرغم أن التجهيز العسكري والمُخابراتي لمعركة القضاء على “عاصمة الخِلافة” استمرت أكثر من عام، إلا أنه لم يتم تنظيم أي جهد إنساني جدّي لإغاثة عشرات الآلاف من النازحين المُحتملين، والذين شكّلوا إحدى أكبر موجات النزوح السوريّة؛ ولم يُكترث بتخفيف أهوال القصف على المدنيين، بل تم رشق المدينة بالمدفعية والطيران بشكل عشوائي، ودون أدنى إكتراث بحياة المدنيين، ما تسبب بمقتل آلاف المدنيين، الذين لن نعرف يوماً عددهم الحقيقي لأن لا جهة ذات قدرات تكترث. يكفي النظر إلى صور الدمار الهائل التي تنشرها القوّات المنتصرة للتيقّن بأن المهووسين بتحطيم “عاصمة الخِلافة” لم يهتمّوا للحظة بتخفيف القتل على الرقاويين، ولا بتخفيف الدمار عن مدينتهم.

كان الرقاويون ضحيّة “عاصمة الخلافة”؛ وضحيّة الحرب عليها؛ وضحية التغطية الإعلامية للحرب عليها. اهتمت وسائل الإعلام العالمية بإكزوتيكية قصص أولئك الطوباويين الغربيين الذين تركوا كل شيء وذهبوا ليُقاتلوا مع الميليشيات الكُردية كمثال عن الأنتي-جهادي أكثر بكثير من اهتمامها بإعتيادية أخبار القتل والتهجير السورية. لا تغطية تُذكر لواقع ومصير عشرات الآلاف من النازحين الرقاويين، ولا بأوضاعهم، ولا بأي ضمانات حول إمكانية عودة كريمة لأنقاض بيوتهم بعد أن سقطت “عاصمة الخِلافة”. كما لم يُنظّم أيّ جهد للبحث في مصير مئات المغيّبين على أيدي التنظيم، أكان في مناطق يُعرف جيداً أن داعش قد أخفت جثثاً فيها (مثل منطقة الهوتة شمال الرقة، والتي تُسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية” بدعم أميركي منذ حوالي عامين، دون أن أي جهد للتحقيق في هذا الأمر)، أو في أبنية المدينة التي استخدمتها داعش كسجون، والتي ظهرت في تسجيلات مقاتلي قسد وهم يجوبون بها ويعبثون بمحتوياتها دون الاكتراث بأنها قد تكون أدلة جنائية على مصير مُغيّبين لهم أهل -غالباً لاجئون في بقعة ما من بقاع الأرض- ينتظرون خبراً عنهم.

انتظار الأخبار هو الهوية العامة للرقاويين اليوم، انتظار أخبار عن وضع ما تبقى من بيوتهم، عن أهاليهم العالقين بين خطوط النار أو على الحدود المُعسكرة، عن واقع ومستقبل حُطام المدينة اليوم. كيف سيتم العمل على إعادة أدنى شروط الحياة إليها، وهل هناك -في الأروقة الدولية- من يكترث لعودة الحياة إلى الرقة أصلاً أو يعمل على ذلك؟ هل ستُسلّم المنطقة لنظام بشار الأسد بعد انتهاء الاهتمام بها إثر طرد داعش منها؟ طبعاً، أمام هذا السؤال الجدّي، يبدو التساؤل عن إمكانية التحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها قسد وقوات التحالف الدولي، والتي أضافت على كابوس الرقاويين أهوالاً مضافة لما قاسوه على يد داعش، ضرباً من الخيال الذي قد يستجرّ الضحك الباكي.

لم تكن الرقة مرئية للعالم خلف “عاصمة الخِلافة”، وأصبحت الآن، مع سقوط “عاصمة الخلافة” هذه، ببساطة، غير موجودة بالنسبة له.

———

نُشر هذا المقال بالفرنسية في جريدة ليبراسيون

نبذة عن الكاتب

ياسين سويحة

مدوّن وكاتب صحفي باللغتين العربيّة والإسبانية. يغرّد على yswehat@

Loading Facebook Comments ...