“أواعي” الخطابين والفنجان الذي لا يمس “الطربيزة”

أول اتصال بيجي لأهل البنت بهدف الخطبة، ورغم أنه منتظر إلا أنه يستدعي اجتماع طارئ على مستوى نساء العيلة لنكت كرار البيت وتعزيله، وبتستغله الأم عادة بتجديد البرادي وطقم فناجين القهوة، واذا مرق طقم كنبايات جديد للصالون بكون كتير منيح. يتخلل التعزيل فواصل لمحاولة استشفاف هوية الزائرات المرتقبات. والتخطيط لتسريب الخبر للجارات بشكل عفوي مسبوقاً بملاحظة أنه كتار بيتصلوا من زمان وماكنا عم نستقبل، أبوها حريص على دراستها وما كان قبلان.

بعد ما أخدت البكالوريا، صار من الصعب جداً التعلل بدراستي حتى ما نستقبل خطابين، بعد نصيحة “وديّة” لماما أنه بكرة بينحكى عالبنت إنها بشعة أو عقلها فيه شي، يا أمّا صاير معها شي وعم تخبّوا! استسلمت واستجابت. وبعد كتير تكتيكات لقت أنه الرشوة هي الطريق الأنجح لتقنعني بدورها بالاستسلام والاستجابة، بعد ما جملة “اعتبريهون أي حدا جاية يشرب عنا قهوة، ما رح “ينتعوك” عكتافهون ويمشوا” ما جابت نتيجة. عقدت مع ماما اتفاق تبادلي مو بالضرورة مادي، ممكن يكون مقابل مشوار أو شي اشتريه أو مبلغ من تلت خانات. قبلت مع التهديد وهي رافعة السبابة أنه إذا ببوح بتفاصيل الاتفاق قدام حدا “بتورجيني”. بالحقيقة أنا ولا مرة حاولت اختبر جدية هاد التهديد، أو أعرف شو ممكن تورجيني فعلاً. أصلاً هي لو هددتني من البداية إنها “بتورجيني” ما كانت احتاجت لدفع مبالغ طائلة مع كل زيارة.

كان الاتفاق عالساعة، وزمن التأخير بضعف التسعيرة، مو لأن وقتي مهم وحقه مصاري وعندي كتير شغلات أعملها، وإنما ببساطة لأن كل الخطابين بيتأخروا. سشوار الشعر بالصالون عليها، وإذا أنا اللي عملت القهوة وصفّيت الفناجين بالصينية، بنتفق على هاد الحكي لحاله. حاولت انتزع ملحق للعقد بحاسب على الابتسامات كمان، بس ما مشي الحال.

اختيار “أواعي الخطابين”، وهي الثياب باللهجة الشامية، هو فعل دقيق جداً ومو اعتباطي متل قرار تعبئة جدول المفاضلة بعد البكالوريا. مو شو ما إجا عبالك بتفتحي الخزانة وبتلبسي. اجتماع آخر لنساء العائلة للتداول بتفصيل ما أطلق عليه للعديد من السنوات “أواعي الخطابين”.

أواعي الخطابين لازم يكونوا “منغرشين”، وهي كلمة أقرب كلمة خطرت ببالي كترجمة لها هي “مرحين”، لكن بنفس الوقت، بيوحوا بالثقة والقدرة على تحمل مسؤولية البيت والأولاد وزوج المستقبل. على الموضة بس مو كتير حتى ما ينقزوا الجماعة إنه البنت عندها ميزانية الله مولاها للبسها وشعرها ومكياجها، لازم يبينوا جسم ولون بشرة البنت، بدون ما تبين “مشلطة” ودالقة حالها عالزواج، ومو كتير جديين ومحتشمين حتى ما تبين متلبسة وما رح تبسط راعي الأسرة.

بعد كتير تفحّص ومناقشات لمجلة البوردة- المرجع الموثوق للأزياء لدى العديد من النساء السوريات، اعتمدوا الجماعة على تنورة ضيقة حمرة لمنتصف الركبة، لأن فوقها تماماً بتصير كتير قصيرة وتحتها تماماً بتصير كبّارية وطويلة، مع بلوز سكّري بكم “رخي”، وهي التسمية الأخيرة تطلق على الكم لما بكون نازل عن الكتاف شوي، يعني مو حفر ولا ربع كم. وترك لي حرية اختيار لون وشكل الكندرة بشرط إنها ماتكون بوط رياضة.

أصولاً أهل البنت ما بصير يسألوا بيت مين للي مشرفينهون بزيارة. ولا يسألوا ولا سؤال عن العريس المأمول، حتى ما يشعروا أهله بالحرج إذا ما عجبتهون البنت. رغم أنه على الطرف الآخر بينتفوا ريشها للبنت وأهلها أسئلة، بالتلفون وبالزيارة. هلأ ماما ما كانت تقبل تسقبل حدا بدون الحد الأدنى من المعلومات، بيت مين وأديه عمره “الله يسلمه”، شو دارس وشو بيشتغل “المحروس”. في متصلات كانوا يعتذروا ويسكروا بعد ما يفهّموها لماما انه هاد السؤال ما بينسأل، يوه! متصلات أخريات كانوا يكذبوا هنن بيت مين. لحسن حظنا ما تعرضنا للسؤال عن كوني “مجدرة” ولا “رز ببزاليا” وهو سؤال غير مباشر يُسأل لأهل الفتاة لمعرفة إن كانت سمراء وعيونها بنية، أو بيضاء بعيون ملوّنة.

من طبيعة القادمات بتستشف طبيعة العلاقة بين أم العريس وبيت حماها، غالباً بتفضل أم العريس إنها تجي مع أختها، أو مرت أخوها، لكن أكيد مو حدا من بيت حماها حتى ما “يتبخّش” بدنها إنه شو هالمشوار اللي جايبتينا ياه، والبنت ما خرجنا بنوب، مو كل مين ما دلك ع حدا تروحي، نحن ما بناسبنا مين ما كان. لما بتجي وحدة مع بنت حماها أو سلفتها معناها واحد من تنين يا أمّا التانية هي يلي دالة على هي البنت، أو الأم سلطتها مو قوية ومبلوعة من بيت حماها، خاصة لما بتجي الحماية الكبيرة مع الحماية المستقبلية، وهي الزيارات بتكون مكهربة جداً عادة.

بعد ما يتأخروا الجماعة بين النص ساعة للساعة وسطياً، بتبلش الجلسة ببعض الابتسامات المتكلّفة، تليها عبارات تأهيل وتشرّف متبادل أكثر تكلّفاً لتنتهي بسؤال كيف قهوتكون. وبعد بعض المناورات من نوع والله ما في داعي، ولا يوه والله ما بصير أقل منها، “ببقوا” هالجوهرة وبيطلبوا قهوة سادة، مرفقة بجملة ما بدنا نعذبكون. رغم إنه هنن وقت اتصلوا قالوا جايين نشرب عندكون فنجان قهوة، وطالعنا علبة الفناجين المدهبة على هاد الأساس.

رفض شرب القهوة هو إهانة لأهل البنت، لأن معناها إنه الزائرين مو قدرانين حتى يجاملوا بأنه يشربوا فنجان هالقهوة بعشر دقايق ويتيسّروا. نسبة السكر بتتضمن تعليق ضمني على جمال البنت، سكر خفيف أو عالريحة، معناها البنت “جذّابة بس” وهو وصف غالباً ما يطلق على السمراوات، ترجمة لطيفة لـ “مو حلوة” أو بمعنى أدق عيونها مو ملونين وشعراتها مو فاتحين، لأنه بس هنن الحلوات. السكر الزيادة بيعني إنه البنت بدها كتير “لتحلى” وتنبلع معهون بهالزيارة، لهيك غالباً ما بتنطلب القهوة نويترال، سادة. بلا سكر.

لتخفف ماما النفقات، صارت تعمل القهوة هي قبل ما يجو الجماعة، تلمّع صينية الضيوف، وتزينها بورود دانتيل صغار انجابوا خصيصا لهاد الحدث وتصف الفناجين المدهبين، مع الانتباه لاتجاه إدن الفنجان. وتترك صحن فاضي لكاسة المي. أنا كان عليّ فقط إنه صب القهوة ووصّلها وهي لساتها بالفنجان مو صار نصها بالصحن، زيارات الخطابين هي مو بس امتحان للبنت وإنما امتحان لتقانة وترتيب الأم كمان.

فنجان القهوة ما بصير ينحط ع “الطربيزة”، الطاولة الصغيرة عليها صحن سجاير كريستال ممنوع حدا ينفض سيجارته فيه.

بعد ما بقدّم فنجان القهوة لحماتي المستقبلية مشفوعاً بابتسامة بحاول إنها تكون مو كتير صفراء. ممكن إنها تتوجه لي بكلمة أو تنتين من المجاملة والتحبب إذا ملاقية فيني كنّة محتملة. بهي اللحظات أنا بكون عم رد بهدوء وثقة وخجل طبعاً. وبعد ما أقعد مقابيلها مشان تتفصحني منيح بدون ما تضطر للالتفات، لازم أبقى متحفزة للحظة اللي بشوف فيها فنجان القهوة الفاضي عم يتجه للطربيزة لأقفز برشاقة ولهفة لتناول الفنجان من إيد حماتي المستقبلية لورجيها إنه أنا حركة ومتّقنة، مرتبة ونضايفية ورح ريّحها. فنجان القهوة اللي بيوصل عالطربيزة خاصة إذا ما كان خالص، هو كارثة، بيعني أنه شربنا هالفنجان وما رح نعيدو. لهيك أهل البنت بكونوا حريصين أنه يمنحوا الزائرين فرصة ليعيدوا النظر ويرجعوا مرة تانية.

فنجان القهوة و”الطربيزة” كان من النقط للي ما توصلنا أنا وماما فيها لاتفاق. جربت تغريني وتهددني وتبتزني عاطفياً بس أنا ما قبلت. لهيك كان فنجان القهوة ينتهي بذهول عالطاولة الصغيرة بالقرب من صاحبته. أحد الزائرات، اللي كانت مستمرة من لحظة وصولها بذكر محاسن ومناقب ابنها “الله يسلمه” متبوعة بجمل متل “مو لأنه ابني بس والله هو غير” لما ما لقت بوادر من طرفي بالتحرك باتجاه الفنجان للي عم يهبط ببطء باتجاه الطاولة، قررت تحول مسارها إيدها باتجاهي لحتى حس على دمي وأجي أخد الفنجان، بقي الفنجان معلّق بالهوا عم ينطر موطئ صحن لبين ما أجيت، أخدته من ايدها وحطيته جنبها على الطاولة ورجعت على كرسيي بكل برداة، للأسف بعد هي الزيارة فضت ماما كل اتفاقاتها معي، الشي اللي خلاني اتكبّد خسارات فادحة. وأدّى هاد الفعل الشائن، لشطب اسمي من قوائم بنات الخطبة للي بتتبادلها أمهات الشباب، وللي بتحتوي بالإضافة لاسم البنت ورقم تلفونها، منطقة سكنها، ومواصفاتها العامة، وأحيانا بعض الانطباعات عن الزيارة.

 لكن ما وصل التعميم لقوائم المغتربين، لهيك لما اتصلت امه لـ “زياد” من كندا وكانت حابة تأمّن على ابنها الخجول مع بنت عيله شروانا بالخير، وكنت أنا كتير متأثرة من انهيار أحلامي الفنية، وانه ما رح كون فريدا كالو السورية، قررت أقبل بقدر الزواج  وكون شهيدة الحب والفن، وصرت أتخيل حالي ماشية بفستان أسود، متل فساتين سكارلت أوهارا بفيلم ذهب مع الريح، على ثلوج كندا البيضاء. لكن طيارة زياد ما وصلت أبداً ع مطار دمشق لأن “شانتال” رفيقته الكندية، هالمقصوفة الرقبة، طلعت حامل حسب ما وصل لأسماعنا لاحقا.

————————————————-

ملاحظة: تحتوي التدوينة بعض المبالغات، أعلم أنّ منظومة الزواج التقليدي أدت إلى شراكات ناجحة أحترمها.

نبذة عن الكاتب

معدّة ومخرجة برامج براديو سوريالي. ديمة خريجة فنون وإعلام، مقيمة حاليّا ببرلين،ألمانيا، "بحب القراءة كتير ومتل كل فريق سوريالي بحب السفر والطبخ! بعرف انه للي جاية أحلى لأن كتيرين للي عم يشتغلو كرماله"

Loading Facebook Comments ...