عندما عبر عمر السومة مدخل اللاذقية الجنوبي

ينظر أبو جعفر حوله مستغرباً، الصحراء تحيط به من كل جانب، يتجول حوله أشخاص لا يعرفهم، يشربون شيئاً آخر غير المتة، ويتكلمون بلهجة غريبة، لا ماء لا كهرباء، أرض وسماء وطيران ينفذ غارات بين فترة وأخرى، يركض أبو جعفر باتجاه اللامكان، تطأ قدمه على جسم صلب يظنه حجراً، ليكتشف في أقل من ثانيتين أنه مجرد لغم ينفجر به، يطير أبو جعفر في الهواء ليقع على الارض بما تبقى من جسده الضخم، يرفع رأسه ليرى نفسه واقعاً عن سريره في غرفة حاجز مدخل اللاذقية الجنوبي الذي يخدم فيه منذ أشهر، وفوقه مباشرة أحد المتطوعين يحدق به باستغراب.

“يا إمامو علي على هالمنام.. أبدو يحل عني بقا” يتمتم أبو جعفر مخاطباً نفسه ليزجر بعدها العنصر المحدق إليه قائلاً:

“لك شو في شو ميصير، أبيعرف الواحد ينام بهالحاجز النشح”.

لا تغفل عينا أبو جعفر كثيراً في الفترة الأخيرة، هو دائم اليقظة لا ينام، عينه تبقى ساهرة ليس على راحة الوطن والمواطن كما يدعي أمام المتطوعين معه، فمنذ أن طلبه قائد ميليشيا كتائب البعث التي تطوع فيها ببداية الثورة لضرب المتظاهرين من أجل إبلاغه أنه سيساق للقتال في دير الزور، وهذا المنام لا يفارقه، بل أصبح مرافقاً له في يقظته أحياناً. وعلى الرغم من عدم اقتناع أبو جعفر باسباب سوقه للقتال هناك، كاستتباب الأمن في اللاذقية، وانتفاء الحاجة لمثل هذا العدد من العناصر على الحواجز، ونقص العدد البشري لمواجهة خطر داعش، وتفاصيل أخرى توقف سمعه عن تلقيها ونقلها لدماغه من هول الصدمة، إلا انه وافق على مضض رغم امتعاضه الشديد، “شو نحنا أفهم من القيادي يعني؟؟”، قال مواسياً نفسه التي ما انفكت تأمره بالهرب والفرار.

يستعجل العنصر أبو جعفر للنهوض إلى الخارج، فالمسألة خطيرة لا تحتمل التأجيل، سرفيس كامل متكامل فيه شابان لا يحملان تأجيلهما العسكري، “سيدي ميقولو إنن طلاب”، يخبره العنصر بنبرة تدله على خطورة الموقف، حادثة يعتبرها أبو جعفر تهديداً امنياً يعكر صفو حياته الوادعة، وتتطلب تدخلاً مباشراً من قبله لمعاقبة هؤلاء الإرهابيين الذين سينامون في أحضان أمهاتهم بينما هو يعد لوازمه للسوق إلى دير الزور.

يصل أبو جعفر إلى السرفيس نافخاً صدره، متأبطاً سلاحه مهرول الخطى، يقع نظره على شابين ضئيلي الجسد، لا يتجاوز عمر أكبرهما خمساً وعشرين عاماً، ” قهلا بالغوالي قهلا؟” يرحب بهما أبو جعفر متوعداً وهو يعدل سلاحه الذي يأبى أن يجلس على كتفه كما يجب.

يرتجف صوت الشابين اللذين يحاولان استجماع قوتهما لتأليف عبارات منطقية، يؤكد أحدهما أنه طالب ماجستير في الجامعة فيقطع أبو جعفر حديثه مستهزءاً: “بالله على قد مافي طلاب ماجستير بهالبلد أبقا في شعب”. لا يكترث أبو جعفر لأعذار الشابين، ينهرهما بصوت عال طالبا منهما اللحاق به لغرفة التفييش، المكان الذي هُدر فيه مستقبل نصف شباب هذه المدينة الساحلية الصغيرة ، بعضهم سيق للجبهات كاحتياطي، وآخرون اختفوا في غياهب سجون فروع الأمن، دون أن يسمع بهم أحد.

يدخل أبو جعفر لغرفة التفييش واثق الخطوة، يتأمله العناصر مبهورين والإعجاب يطف من أعينهم، ينظرون إليه وهو يستعمل الكومبيوتر بخفة وبراعة لا يملكها معظم المفروزين إلى هذا الحاجز، فهم من أبناء القرى الفقيرة التي لم يبق لها معيل بعد فقدانهم كمقاتلين على الجبهات، فاضطر هذا الجيل الجديد رغم يفاعة سنه إلى التطوع في ميليشيات النظام المختلفة التي تؤمن راتباً ضئيلاً لا يسد رمق أسرهم على مدار الشهر.

 يعتقد المتطوعون الجدد أن أبو جعفر خلق هكذا، يعرف كل شيء، يحبون سماع قصص معاركه في ريف اللاذقية الشمالي التي حارب فيها بن لادن ذات نفسه، يؤكد لهم أبو جعفر على الدوام أنه رآه بأم عينه يقاتل هناك، لا يعرف أبو جعفر أن الرجل قد قتل قبل هذه المعارك بكثير، العناصر أيضاً لا يعرفون، لكنهم يصدقون كل ما يقوله لهم أبو جعفر دون تشكيك، هم لا يدرون أيضاً أن الرجل الثلاثيني الماهر في استخدام الكومبيوتر، تلقى الكثير من البهادل والكفريات من قبل حيدرة، ملازم فرع أمن المعلومات، الذي كاد أن يخرج من ثيابه وهو يعلمه خطوات الدخول الى برنامج التفييش، كان هذا الملازم الحقير يستلذ بمناداته “أبو جعفر الجحش” أمام جميع الحاضرين في الفرع، عبارة ولدت له عقدة نفسية جعلته يكره صنف الحمير والبغال في هذا الكون، لدرجة أنه اعتقل في مرة حماراً يجر عربة لجمع ” القراضة”، بعد ان بدأ  الحمار المسكين بالقفز والرفس على الحاجز عند رؤيته أبو جعفر وكانه التقى بأحد غال عليه.

 “بالله الجليل أمك داعيتلك هنت وياه” يقول أبو جعفر ممتعضاً، فبرنامج التفييش أظهر أن الشابين نظيفان كما ولدتهما أمهاتهما، كما أن توسلاتهما وأيمانهما المقدسة بأنهما طالبان فعلاً، وعرضهما الاتصال بذويهم لإحضار التأجيلات إلى الحاجز، جعلت أبو جعفر يفقد الأمل من عفطهما، فأطلق سراحهما مردداً “يلا انقلعوا من هوني”.

يخرج أبو جعفر من غرفة التفييش باتجاه الحاجز مرة أخرى، صحيح أنه يشعر بنعاس شديد لكنه لن يغامر بالنوم خوفاً من كابوسه المقيت، تتوقف سيارة حمراء فارهة أمامه، يطرق أبو جعفر على شباك السيارة المفيمة طالباً إنزاله ومتوعداً صاحبه بعقاب شديد، “بدي إلعن اللي طرقو،  أبيعرفو هالعرصات إنو السيد الرئيس قال التفييم ممنوع”، تخرج رائحة عطر قوية ممزوجة بموسيقى جبلية من الشباك بمجرد إنزاله، يمد أبو جعفر رأسه ليرى حورية هاربة من الجنة لشدة جمالها، ينسى تهديده ووعيده ويسألها على الفور: “الطبون يا آنسي”، تفتح السيدة صندوق السيارة الخلفي، لا يفحصه أبو جعفر أصلاً، يقول لها “شو معك بالطبون”، تجيبه بغنج: “ولا شي شوية بسكوت”. يبتسم بعينين ذابلتين: “أبتضيفينا بسكوتي”؟؟

يقطع صياح قسورة أصغر عناصر الحاجز هذه اللحظة الرومانسية معكراً على أبو جعفر نسائم نسائية اشتاقها، فمنذ أن طردته “عفّورة القلب” ابنة قريته شر طردة بعد أن رفضه والدها متذرعاً أنها ستترمل بعد وقت قليل أسوة برفيقاتها ونسيباتها اللواتي تزوجن بعسكريين ومتطوعين ابتلعتهم هذه الحرب المجنونة، والشاب يعيش جفافاً قاحلاً كجفاف دير الزور المتخيل، لدرجة أنه بات يتحرش بكل شيء مؤنث أمامه، حتى لو كان خزانة الملابس.

يطلب قسورة من أبو جعفر الإسراع للمسار الثالث، نظراً لوجود سيارة محملة بالبضائع المتجهة للمرفأ بغرض التصدير، “عيني الله، إجا الرزق”، قال أبو جعفر الذي يرى في هذه الشاحنات صيداً ثميناً لاغتنام الأموال المنقولة وغير المنقولة، مجرد قراره عرقلة الحمولة يفتح عليه باباً واسعاً للمزادات والمكافآت التي بات التجار يرصدون لها ميزانية ضمن كلفة  أي حمولة ستعبر الحواجز المنتشرة هنا وهناك في البلاد.

– و هنت من وان بقا؟؟؟

– من دير الزور سيدي…

يبدأ العرق بالتصبب من وجه أبو جعفر، يطلب من السائق النزول من الشاحنة طالباً اوراقه التي يقرؤها بعجالة.

 “وشو متعمل عنا باللازقي يا سيد عمر السو…اسمك عمر سومة …تبع الطابي ما غيرو؟؟”

 يبتسم السائق بفخر قائلا: أنا بكون ابن عمو سيدي ..

– طيب يا سيد ابن عمو ليش مانك متقاتل هنت وياه  بدير الزور.. شو هايا ما بلدكين يعني؟؟؟

–  سيدي أنا وحيد وابن عمي برا البلد.

– أي تفضل يا سيد وحيد معي عالغرفي لنشوف شو حالك..

يجر أبو جعفر السائق إلى غرفة التفييش بغضب، ورقة إعفاء الشاب من التجنيد لم تشفع له امام أبو جعفر الحانق على كل ما له صلة بهذه المدينة التي تنذره بنهاية أجله، ” قلتلي وحيد ومن دير الزور ما هيكي!!!” يتوعد أبو جعفر سائق الشاحنة ويقول: “بالله مانك طالع من هالغرفي إلا على جثتي.. و يا أنا يا أنت بدير الزور يا غالي”.

نبذة عن الكاتب

بتول العلي

صحافية سورية

Loading Facebook Comments ...