في مفهوم “الإسلام المعاصر”: هل ستقوم السعودية بـ”الإصلاح الديني”؟

في مفهوم “الإسلام المعاصر”: هل ستقوم السعودية بـ”الإصلاح الديني”؟

لطالما كان ذكر السعودية أساسياً في أي حديث عن التطرف والإسلام السياسي، فهذه المملكة الغنية اتُهمت دائماً بتصدير الأصولية، لدرجة يتحدث بها البعض عن “غزو وهابي” لعديدٍ من المجتمعات والثقافات، أدى إلى تغيير وجه الحياة، وأسلمة الحيز العام، وتخريب أشكال التدين الشعبي “المتسامح بطبعه”.

وإذا كانت السعودية قادرة على تغيير ثقافات ومجتمعات بأكملها، وحرفها نحو التطرف، فهي بالتأكيد، بسبب قدراتها الهائلة نفسها، تملك الفرصة لتصبح مصدر نشر مفهوم  جديد لـ”الإسلام المعتدل”. بهذا الأسلوب يبدو أن “العهد الجديد” في السعودية استطاع توظيف الاتهامات التي توجه عادة للسعودية لمصلحته. في عصر أصبح فيه خطاب “الإسلام المعتدل” هو أحد أساسيات إعادة بناء شرعية الأنظمة العربية بعد “الربيع العربي”.

من اليسار: محمد بن نايف (ولي العهد السابق)، الملك سلمان بن عبد العزيز، محمد بن سلمان ولي العهد الحالي – بعد اتفاق الحكومة على مجموعة من الإصلاحات تحت اسم رؤية 2030.

لا يُعرف ماهو المقصود عموماً بالإسلام المعتدل: هل هو الإسلام المتصالح مع العلمنة والديموقراطية، أم هو “اعتدال” على طريقة الإخوان المسلمين الذين تحاربهم المملكة حالياً، أم هو مجرد “تسامح” يقضي بألا تقطع السلطات الإسلامية رقاب “المرتدين”، ولا تطرد النساء من الحيز العام. أو تعدم المثليين في الساحات العامة على الطريقة الداعشية والإيرانية.

بكل الأحوال تحتاج معالجة هذه المسألة إلى استيضاح مفهوم “الإسلام” بحد ذاته، ومعرفة الدور الذي لعبته وتلعبه السعودية في تدشين “الإسلام المعاصر”.

إسلام أم إسلامات؟

تحوي المكتبة المعاصرة على العديد من العناوين التي تعطي للفظة “الإسلام” مفهوماً شديد العمومية. فالحديث عن “تاريخ الإلحاد في الإسلام” كما فعل عبد الرحمن بدوي في كتابه الشهير المأخوذ من دراسات استشراقية محتلفة، أو “تاريخ التعذيب في الإسلام” كما عنون هادي العلوي دراسته الشهيرة، يُعطي للإسلام مفهوماً أكثر عمومية من كونه مجموعة من الاعتقادات والطقوس. فهو مُحدد حضاري واسع يشمل تاريخ وثقافات شعوب شديدة الاختلاف ضمن فترة تاريخية ممتدة لقرون عديدة.

أما بالمعنى الديني البحت فلا يمكننا إيجاد محدد طقوسي أو عقائدي واضح لتعريف الإسلام، الذي شهد عبر تاريخه الطويل عدداً كبيراً جداً من التيارات والمذاهب المختلفة والمتعارضة، ومناهج شديدة الاختلاف في التعامل مع المصادر الإسلامية الأساسية وضبطها وتأويلها واستعمالها تشريعياً وعقائدياً، بل وحتى القبول بها (عدم اعتراف الشيعة بصحائح الحديث النبوي التي يتبناها السّنّة، القراءات المختلفة للقرآن، الخلافات حول قبول مصادر إضافية أساسية إلى جانب الكتاب والسنة مثل: مأثور الأئمة الاثني عشر وأئمة الاسماعيليين، التجربة الصوفية، العقل لدى الفلاسفة…الخ).

فضلاً عن ذلك تأثر الإسلام بأديان وعقائد سابقة عليه وتالية له. كما اختلط على الدوام بأهم التيارات الفكرية في عصوره المختلفة: الهرطقات المسيحية واليهودية، المنطق الأرسطي، الأفلاطونية الحديثة الهلنستية، الفلسفة السكولائية في العصور الوسطى، أفكار عصري النهضة والتنوير، وأخيراً وليس آخراً التيارات القومية والفاشية والشيوعية في مطلع القرن الماضي. من الصعب أن نجد إسلاماً “صافياً” عبر التاريخ.

الأهم من هذا أن العلوم الإنسانية المعاصرة باتت أقل تقبلاً لمفهوم “الامتداد التاريخي” غير المنقطع. فمنذ أن صاغ الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار مفهوم “القطيعة المعرفية”، الذي استعمله البنيويون بكثرة فيما بعد، باتت فروع بحثية عديدة، وعلى رأسها التاريخ وتاريخ العلم وعلم الاجتماع، تبحث عن “القطائع” أكثر من “الاستمراريات”. لا معنى حسب هذا التصور للحديث عن استمرارية غير منقطعة في الإسلام، ففي كل عصر يعيد الفاعلون الاجتماعيون إنتاج تصوراتهم الدينية والثقافية ضمن منظومة منهجية متكاملة لرؤية العالم، والعلاقة مع اللغة تقطع مع سابقاتها وتعيد ترتيب الدلالات والمعاني. هكذا فإن إسلام القرن التاسع عشر مثلاً كان يتعامل مع المفردات الأساسية للإسلام ضمن تصورات وأساليب لإنتاج المعنى، ووفق إشكاليات مختلفة تماماً عما كان سائداً في العصر الأموي.

بناء على هذه الصعوبات في تحديد ما هية الإسلام يميل كثيرون إلى اعتبار “الإسلام” مقولة غير مفيدة معرفياً، ويفضلون القول بإنه لا يوجد إسلام بل يوجد فقط مسلمون. المفكر السوري عزيز العظمة تحدث عن وجود “إسلامات” و”حداثات” متعددة.

تواجه هذه النظرة بدورها عدداً من الاعتراضات، لعل من أكثرها شهرة اعتراض الأستاذ الباكستاني من أصول نمساوية طلال أسد، الذي يرى في دراسته “فكرة أنثربولوجيا الإسلام” أنه يمكننا تحديد ماهية واضحة للإسلام من خلال مفهوم “التراث الخطابي”، وهو المعايير التي يستطيع بواسطتها المسلمون تقييم مختلف الأفكار والممارسات بكونها إسلامية أو غير إسلامية. هذه المنظومة مشتركة لدى جميع المسلمين رغم اختلافاتهم العديدة، وتشكل الإسلام القويم “الأرثوذوكسي”. وتنبني أساساً على الإجماع الإسلامي على القرآن والسنة.

إلا أن الإسلام بالنسبة لأسد لا تحدده النصوص وحدها، بل “القوة” أو “السلطة”، أي القدرة على الفعل التي يملكها المسلمون وتمكنهم من تحديد ماهية ما هو إسلامي وتصنع مفهومهم للتراث، وهذه القوة هي الميدان الأساسي لأي دراسة أنثربولوجية للإسلام.

بناء على هذا، يعتبر أسد أن مختلف الممارسات التي تقوم بها “القوة” الإسلامية، بما فيها الإقصاء والعنف والتكفير، هي جزء من حقل “الإرثوذوكسية” التي ينبي عليها التراث الخطابي للإسلام. إنها “التكفيرية” التي أدخلها أسد إلى الأكاديمية الغريبة. لدرجة أن تلميذه  تشارلز هيرشكند كتب مقالة أخرج فيها المفكر المصري نصر حامد أبو زيد من الإطار الإسلامي لأنه تجاوز أساسيات “التراث الخطابي”. سيسجل التاريخ لأسد أنه نجح بجعل بروفيسورات أعرق الجامعات الغربية يكتبون بمنطق مشابه لمشايخ الأزهر التكفيريين.

على العكس من تكفيرية طلال أسد، يحاول المفكر السنغافوري-الباكستاني شهاب أحمد أن يحدد في كتابه “ما الإسلام؟” معايير ما يجعل التراث الإسلامي إسلامياً حقاً. ويعمل على أن يُدخل في الإطار الإسلامي جميع مظاهر الحضارة الإسلامية بما فيها التصوف والفلسفة وإسهامات غير المسلمين، بل حتى اللهو والمجون وشرب الخمر. فالإسلام، حسب أحمد، هو “فعل تفسيري” لا يقل أهمية عن صياغة  المعنى ذاته. ويمكن تمييز ثلاث مستويات ضمنه لإنتاج الذات الإسلامية: ما قبل النص Pre-Text، النص Text،  سياق النص Con-Text.

يجمع المسلمون، حسب شهاب أحمد، على أن النص القرآني بحد ذاته لا يحمل الحقيقة بأكملها، بل لا بد من النظر بالسيرورة الأكبر التي ظهر من خلالها هذا النص، وهي السيرورة التي تمثل مستوى ما قبل النص الذي تكمن فيه الحقيقة الإسلامية. الخلاف في الإسلام هو في كيفية الوصول إلى حقيقة “ما قبل النص”: هل من خلال النص، أم بتجاوز النص، أم بالنص وحده دون سواه؟ محاولات الإجابة المختلفة والمتنوعة على هذه المسألة التي قدمها المسلمون وغير المسلمين طيلة مسيرة الحضارة الإسلامية هي “الإسلام” باختصار. وهي التي صنعت “سياق النص” منذ إسهامات المسلمين الأوائل مروراً بالفلسفة والفقه والتصوف والشعر، والفرق الإسلامية المختلفة، وصولاً إلى كل مظاهر الإسلام المعاصر.

طلال أسد – متخصص في علم الإنسان وأنثروبولوجيا الدين والثقافة

مفهوم “ما قبل النص” الغامض الذي يقدمه أحمد يذكرنا بمفهوم “الباطن” الذي تعتنقه التيارات الغنوصية في الإسلام. لذلك فلا يحتاج المرء للكثير من الخيال كي يقول إن طرح شهاب أحمد عن الإسلام هو طرح “باطني”، في حين أن مفاهيم طلال أسد “سُنِّية ظاهرية”.

كما لا يحتاج المرء لكثير من القسوة كي يقول إن كلا الباحثَيْن قد فشل في تقديم مفهوم مقنع للإسلام يؤسس لوحدة وراء التنواع اللانهائي للمظاهر الإسلامية، فأرثوذوكسية أسد تخرج الكثير من هذه المظاهر (بل وربما طوائف إسلامية بأكملها) من الإطار الإسلامي، في حين يُميع غموض أحمد المفاهيم ويُفرغ “الإسلام” من أي محتوى تفسيري مفيد بما أن كل شيء هو إسلام، بما في ذلك نكاح الغلمان. دعك من أنه لا يوجد أي إجماع كما يدعي بين المسلمين على أن نص القرآن لا يحمل بذاته الحقيقة. فهذا “الإجماع” موجود فقط عند المعتزلة والصوفية والإسماعيلية وبعض فرق الشيعة.

الغموض المفتعل والمفاهيم العائمة التي يصطنعها أساتذة الجامعات الأنجلوساكسونية في عهد “ما بعد الاستشراق”، يجعل المرء يتحسر على أيام المستشرقين ودراساتهم المنضبطة مفاهيمياً والعميقة فكرياً دون بهرجة أكاديمية. مهما اتفق أو اختلف معهم. ربما يحق لنا أن نأمل باليوم الذي سيتم فيه تجاوز هذه الموجة من الضوضاء الأكاديمية والعودة إلى التراث البحثي الرصين الذي طمره “الصواب السياسي” ومعادلات الهيمنة والنفوذ في أقسام العلوم الإنسانية بالأكاديميات الغربية.

مفهوم “الإسلام المعاصر”

إذا كان مفهوم “الإسلام” صعب التحديد ولا فائدة معرفية له، فيمكننا أن نقترح هنا مفهوماً أكثر تحديداً ووضوحاً، وهو “الإسلام المعاصر” الذي يعني المؤسسات والخطابات الإسلامية المعاصرة التي تنتجها دول وقوى سياسية واضحة ومحددة.

لا يقوم مفهوم “الإسلام المعاصر” على “تراث خطابي” ما، كما لا ينبني على “القوة” بوصفها القدرة الأنثربولوجية للمسلمين على الفعل كما لدى طلال أسد. بل يتحدد أساساً بسيرورة التحديث وتشكل الدولة الحديثة في المنطقة منذ القرن التاسع عشر، وحركات الإصلاح الديني التي شهدتها الدول الإسلامية في تواريخ متقاربة. كما يؤكد هذا المفهوم على القطيعة المعرفية التي شهدها التاريخ الإسلامي في تلك الحقبة، حيث باتت الإشكالات التي توجه تعقل الفاعلين المسلمين لذاتهم والعالم مختلفة بنيوياً عمّا كان سائداً في العصور الماضية.

بدايات التحديث في المنطقة كانت في مصر مع حكم محمد علي (1805-1848)، وفي مركز الدولة العثمانية مع إقرار “التنظيمات العثمانية” عام 1839، والدافع الأساسي له كان رفع الجاهزية المحلية في مواجهة الإمبراطوريات الغربية المتفوقة تقنياً وتنظيماً، لذلك كان بناء الجيوش وتطوير فاعليتها وجعل المجتمع بأكمله قادراً على دعمها ورفدها بشرياً وإنتاجياً هو القضية الأساسية للتحديث.

يمكننا أن نلاحظ هنا أن إشكاليات الحداثة هذه هي بالضبط إشكاليات الإسلام المعاصر، الذي كانت قضيته الإساسية ومازالت ليس المفاهيم الدينية المجردة كالله والروح والعبادة، بل كيف يمكن النهوض بالإسلام والمسلمين على أسس إسلامية لمواجهة التفوق الحضاري الغربي، من خلال تدارك مواطن الضعف والخلل في السياق الإسلامي، وإيحاد صيغ سياسية دينية لحشد المسلمين وتنظيمهم وتطوير فعاليتهم على كل الصعد بما يضمن الانتصار في تلك المواجهة. وهو ما يظهر واضحاً في كتابات المصلحين وأعلام “النهضة” الإسلامية مثا رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وأبي الأعلى المودودي. الإسلام المعاصر حسب هذا الفهم هو أيديولوجيا تحديث. وبالتالي فهو إسلام سياسي بالعمق وقابل للتفاعل مع كل الأيديولوجيات الحداثية التي ظهرت في العالم.

وفي سياق “النهوض بالمسلمين” كان لابد من مواجهة أشكال العقائد الشعبية القائمة على تقديس الأضرحة والأولياء وعقيدة القربان. وهو ما نهضت به الدول والحركات الإسلامية والوطنية. ولعل أحد أهم الأمثلة على هذا تبني “حزب الاستقلال” المغربي بقيادة علال الفاسي السلفية بشكل رسمي، رغم كونه يمثل النخب المتعلمة والحداثية في المغرب، وذلك لمواجهة النزعات الصوفية الشعبية، التي اعتبرت من عوامل الضعف المجتمعي الذي يستغله الاستعمار.

هذه الوقائع تخالف بعض الآراء السائدة عن أن الإسلام المعاصر كان دوماً في مواجهة مفتوحة مع الحداثة المفروضة قسراً من الاستعمار أو الغرب. فهو منذ نشأته استراتيجية تحديث. كما أن الطرح القائل بإن الدول العربية الحديثة دول علمانية قمعت النزوع الإسلامي لدى الناس يتجاهل الأسس التي قامت عليها الحداثة العربية والإسلامية: كل دول المنطقة هي دول إسلامية، بل أيضاً دول إسلام سياسي، عملت على تسييس الإسلام ودمجه بأيديولوجيات أخرى، وخاصة الأيديولوجيا القومية، لتحقيق مشاريعها السياسية وهندستها الاجتماعية. وجعلته أساساً دستورياً لتشييد الدولة (فهو “دين الدولة” و”المصدر الأساسي للتشريع”)  وسياسة حيوية- Biopolitics لضبط أجساد المواطنين وإنتاج النموذج  المعياري لها (قوانين الأحوال الشخصية، قوانين الآداب العامة المبنية على أسس إسلامية).

الصراعات بين الدول وحركات الإسلام السياسي هي صراعات على التفاصيل والطرف الذي سيستلم السلطة، وليست على الأساس البنيوي للحداثة الإسلامية. وحقيقة أن النهوض الكبير للحركات الإسلامية تم بعد انهيار المشروع الناصري شديد الدلالة: الإسلاميون أرادوا أن يكملوا، بطريقتهم، المشروع الذي فشل بتحقيقه الناصريون.

قد يعارض هذا الطرح بعض أنصار الأستاذة في جامعة بيركلي صبا محمود (تلميذة طلال أسد النجيبة)، فبالنسبة لمحمود تقوم العلمانية بشكل بنيوي على إخضاع الدولة الحديثة للمجال الديني وإعادة تنظيمه، وكذلك استعماله في بناء الهوية القومية وصياغة المعايير العامة. وبالتالي فالدول العربية والإسلامية علمانية كالدول الغربية.

تقول محمود في مقدمة كتابها “الاختلاف الديني في عصر علماني: تقرير الأقلية”: “الدول الليبرالية والسلطوية ليست كيانات متعارضة، فالممارسات السلطوية توجد في الدول الليبرالية النموذجية، تماماً مثلما تسائل الأنظمة الاستبدادية في المحاكم الوطنية والدولية لانتهاكها مبادئ الحوكمة الليبرالية”.

مشكلة هذا الطرح مفاهيمياً أنه يخلط بين المسار التاريخي لتشكل الدول والجدل السياسي والاجتماعي فيها حول الهوية الثقافية والرموز الوطنية، وهو جدل غير محسوم النتيجة سلفاً.  وبين المستوى الدستوري والقانوني الذي تستقر عليه الدول الديموقراطية: العلمانية علاقة قانونية بالدرجة الأولى، والمساواة أمام القانون تفترض ألا تكون الدولة دولة دين معين، وألا يكون الدين شرطاً متعالياً على السياسة والاجتماع البشري، ومحدداً قسرياً لأنماط حياة الأفراد. أما من الناحية السياسية فطرح محمود يزيل عملياً الفوارق بين الدول الديموقراطية العلمانية والدول الاستبدادية الدينية، مما يعطي مبررات جيدة سواءً للاستبداد السياسي أو للتطرف الديني، باعتبار أنه  لا يوجد فرق جوهري بين مصر وبريطانيا مثلاً من حيث العلمنة والاستبداد وجوهر السلطة.

فتِّش عن مصر، وسورية أيضاً

ولكن ما علاقة السعودية بكل هذا، ولماذا يتهمها كثيرون بنشر التطرف مادام مشروع الإسلام السياسي أقدم بكثير حتى من نشأة المملكة كدولة؟

من الصحيح أن السعودية هي مهد الوهابية: الحركة التي ألهمت بفكرها وأسلوبها، بل وحتى عنفها ضد العقائد الشعبية، الكثير من حركات “الإصلاح الديني” اللاحقة عليها. كما أن محاولة تصدير السعودية لهذا الفكر، أثناء ما يعرف بـ”الصحوة الإسلامية” في السبعينيات، لعبت دوراً في عملية إعادة الأسلمة اللاحقة لمجتمعات المنطقة. ولكن لأي درجة ساهم السعوديون حقاً في “الصحوة الإسلامية”.

إذا كان للصحوة الإسلامية علاقة بتنظيمات الإسلام السياسي الأساسية، التي كانت فاعلة بقوة في السبعينات والثمانينات مثل الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية وتنظيم “التكفير والهجرة”، فكل هذه الجماعات مصرية قلباً وقالباً من حيث التأسيس والأعضاء والمنظرين الأساسيين: حسن البنا وسيد قطب وعمر عبد الرحمن وشكري مصطفى، وهم القادة الإسلاميون الأكثر تأثيراً في القرن الماضي، لم يصوغوا أيديولوجياتهم بوحي سعودي، وبدأوا نشاطهم قبل الفورة النفطية في منطقة الخليج. وبالتالي فربما كان من الأنسب القول إن مصر هي التي صدّرت التطرف إلى العالم، وليست ضحيةً لـ”العزو الوهابي” كما يردد اليوم بعض المصريين.

أما سورية فقد عرفت حوادث التطرف العنيف قبل مصر، وفي عصر مبكر جداً، فـ”انتفاضة جامع السلطان” في حماة بقيادة الشيخ مروان حديد حدثت عام 1964، أي في عز المد القومي واليساري. وفي مدينة كانت تعتبر آنذاك قلعة المناضلين الاشتراكيين والصراع ضد الإقطاع والوعي الطبقي.

ليس من الغريب أن منظري التطرف السوري مروان حديد وسعيد حوى كانا ينحدران من عائلتين فقيرتين عرفتا بولائهما لأكرم الحوراني والحزب العربي الاشتراكي، فمدينة حماة بصراعاتها الطبقية والعائلية كانت دوماً أقل استقراراً وأكثر ميلاً للحلول الراديكالية من المدن الأكبر كدمشق وحلب وحمص. في حماة كانت الأسلمة تعني الثورة. وربما لهذا السبب أطلق مروان حديد اسم “الطليعة” على تنظيمه، بما يحمله هذا الأسم من رنين لينيني لا تخطئه الأذن.

في دمشق لعبت القيادات الدينية التقليدية، المهادنة سياسياً واجتماعياً، الدور الأبرز في عملية الأسلمة، في زمن سابق للفورة النفطية و”الصحوة الإسلامية” نفسها، وذلك من خلال المشيختين الأساسيتين في المدينة: مشيخة الصالحية ذات الميل الصوفي المترسخ منذ العصر العثماني، ومن أهم أعلامها أحمد كفتارو وأبو النور خورشيد. ومشيخة الميدان الأقرب للإسلام السني الأشعري التقليدي بزعامة الشيخ حبنكة الميداني، الذي وقف بشدة ضد تعديل قوانين الأحوال الشخصية أيام الاحتلال الفرنسي، وتلاميذه المعروفين وعلى رأسهم محمد سعيد رمضان البوطي، الذي لعب الدور الأبرز في أسلمة الفضاء العام في عهد حافظ الأسد.

الأهم من معرفة هويات قادة “الصحوة الإسلامية” تأطيرهم ضمن منظومة “الإسلام المعاصر”. فالصحوة لم تخرج عن إشكالية “النهضة” التي حكمت هذه المنظومة بأكملها، والسؤال الأساسي الذي طرحه إسلاميو الصحوة على أنفسهم هو: كيف ننهض بالأمة بعد الفشل الذريع الذي قادها إليه الاشتراكيون والقوميون .

معالم في الطريق – سيد قطب

نصوص سيد قطب حاسمة في هذا المجال، فهو في “معالم في الطريق” (ص4) يؤكد: ” لابد من “بعث” لتلك الأمة التي واراها ركام الأجيال وركام التصورات، وركام الأوضاع، وركام الأنظمة، التي لا صلة لها بالإسلام، ولا بالمنهج الإسلامي”

أما في كتاب “في ظلال القرآن” (ج5 ص949-951)  فيقول: “إن الجهد الأصيل والتضحيات النبيلة يجب أن تتجه أولا إلى إقامة المجتمع الخير.. لا جدوى من المحاولات الجزئية حين يفسد المجتمع كله.. فينبغي عندئذ أن تبدأ المحاولة من الأساس، وأن تنبت من الجذور وأن يكون الجهد والجهاد لتقرير سلطان الله في الأرض.. وحين يستقر هذا السلطان يصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شيئاً يرتكز إلى أساس.”

يختلف هذا الخطاب بشكل جذري عن خطاب الدولة السعودية، التي كانت على الدوام محافظة سياسياً ومعادية لمبدأ التغيير من أساسه، فمبدأ “طاعة الحاكم” يشغل مكانة أساسية في أيديولوجيتها الدينية. وبالتالي هي أقرب لأسلوب المشيخات الدمشقية المذكورة أعلاه.

إلا أن هذا لا ينطبق على الدور السعودي الأساسي في دعم المجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفيتي. ففي سياق الحرب الباردة كانت عملية إعادة الإسلمة اتجاهاً عالمياً حظى بدعم حكومات دول “العالم الحر” وعلى رأسها بريطانيا وأمريكا، وارتبط بمجموعة انقلابات عسكرية دعمت نهج الأسلمة (أندونيسا، باكستان، السودان، تركيا…إلخ)، ونظمت حركة جهادية عالمية كان الكثير من قادتها وكوادرها لا يقيمون في كهوف باكستان وأفغانستان بل في أحياء لندن الوادعة. المبدأ الأساسي لهذه العملية كان ضرورة عودة المسلمين إلى “هويتهم” بوصفها أفضل طريقة لمواجهة المد الشيوعي. إنه الوجه الآخر لـ”الصحوة الإسلامية”، وفيه لعبت السعودية دوراً محورياً.

ركزت عملية “إعادة الأسلمة” السعودية-الأمريكية بشكل خاص على الجمهوريات السوفيتية السابقة، ودول شرق أوروبا والبلقان الإسلامية ذات الماضي الشيوعي. كما عملت على الحفاظ على “هوية المسلمين” في الدول ذات الأغلبية غير الإسلامية. فحسب تقرير شهير نشرته جريدة نيويورك تايمز الأمريكية بعنون “السعوديون والتطرف: مشعلو النار ومخمدوها” قامت السعودية في الدول غير الإسلامية وحدها ببناء 1359 مسجدًا، و210 مراكز إسلامية، و202 كلية و2000 مدرسة.

هذا التغلغل العالمي الهائل يطرح كثيراً من التساؤلات عن الدوافع السياسية التي تحرك السعوديين، ولكنه لا يؤكد الدور القيادي للسعودية في “الإسلام المعاصر”، فمتدينو مصر وسورية وغيرها من الدول لم يكونوا ينتظرون المساجد السعودية كي يتطرفوا ويعيدوا أسلمة مجتمعاتهم.

الإسلام المعاصر وما بعد “الربيع العربي”

الإسلام المعاصر، بشقيه الحركي الممثل بالجماعات الإسلامية، والمحافظ المتعلق بالدول والسلطات الحاكمة، ارتبط دوماً كما رأينا بمشروع الدولة الحداثية العربية. وربما سنشهد عصراً جديداً من عصور “الإسلام” مع انهيار عدد من الدول العربية بعد الربيع العربي، واضمحلال إشكالية “الإسلام المعاصر” نفسها: فالدول والمجتمعات لم تعد تسعى لـ”النهضة” بقدر ما تجاهد لمجرد الاستمرار والبقاء وسط ظروف بالغة القسوة. مع جو عام من التشاؤم والتشكيك بكل القيم والمعايير الراسخة.

تحاول الدول التي نجت من الطوفان كالسعودية والإمارات، أو رممت نفسها بعده كمصر، أن تبني لنفسها شرعية جديدة على الصعيد الدولي من خلال تبني خطاب “الإصلاح الديني” و”مكافحة التطرف”. إلا أن الممارسات التي تنتهجها هذه الدول لا تشي بالكثير من الجدية، فالدولة المصرية الحالية أكثر محافظة بكثير من عهد حكم الإخوان المسلمين القصير. أما السعودية فلن تستطيع التخلص من تراثها المحافظ الطويل ببعض الإصلاحات الشكلية. ولا أحد يعرف كيف ستتعامل مع إمبراطوريتها العالمية من المساجد والمراكز الإسلامية حول العالم.

كما أن مفاتيح التطرف والدين لم تعد موجودة بأيدي الحكومات حصراً، فلا أحد يستطيع التحكم الكامل بالتدفقات الفكرية والثقافية في عصر العولمة. والإسلام المعاصر، بعد أن أصبح معولماً، أكبر من السعودية ومن أية دولة أخرى، وصار قادراً على تهجين نفسه والامتزاج بسياقات شديدة الاختلاف والتعبير عن مختلف المصالح. فضلاً عن قدرته على تشكيل ثقافات فرعية ومجموعات هامشية عابرة للحدود والثقافات قد يكون لها الدور الأساسي في صناعة إسلام المستقبل.

ربما ستكون إشكالية الإسلام المعولم الأساسية في المستقبل هي إنتاج مساحات للانتماء والهوية في عالم شديد السيولة وعدم الاستقرار. وهي العملية التي قد تتخذ أشكالاً متعددة ومتناقضة من العنف والسلمية، “التسامح” والإرهاب، العقلانية والجنون.

وسط هذه الخريطة المهتزة تبدو الدولة السعودية مجرد لاعب محدود الإمكانيات وغير واضح النوايا. التعويل المبالغ به عليه، كما شيطنته، مجرد وهم يسقط من حسابه العوامل شديدة التعقيد التي تصنع عالمنا.

نبذة عن الكاتب

محمد سامي الكيال

كاتب سوري مقيم في برلين

Loading Facebook Comments ...