السياسي الغربي “غير مطمئن” لأفكار اللاجئ السوري في شأن مستقبل سورية!

في منتصف أيلول الماضي حضرت جلسة نقاش عن سورية في مركز دراسات (ثينك تانك) ألماني، معني بقضايا الشرق الأوسط. كان المتكلمون الثلاثة، سوريان وأردني، واضحين في موقفهم الجذري من نظام بشار الأسد، وعلى إحاطة طيبة بالوضع السوري الحالي. بعد أن أنهوا مداخلاتهم عن النخب الجديدة في سورية بعد ست سنوات ونصف من الثورة والحرب، طلب أحد الحضور الكلام. قال إنه نائب سابق في البرلمان الألماني، وأنه التقى بسوريين كثيرين وكان يسألهم السؤال نفسه دون أن يلقى من طرفهم إجابة مرضية: إذا سقط نظام بشار الأسد اليوم، كيف سيكون حال سورية؟ هل لديهم أي ضمانات في أن يكون الوضع أفضل؟ أضاف الرجل أنه سيكون سعيداً إذا سمع من أحد من المتكلمين أو الحضور إجابة على سؤاله القديم.

لم يكن الأسلوب الأبوي للنائب الألماني السابق هو وحده ما يستفز، بل مضمون تدخله أيضاً: مطالبة سوريين بضمانات بأن زوال القاتل العام من بلدهم سيقود من تلقائه إلى أوضاع أفضل، ما يضمر أن القاتل العام إنما يقتل لأسباب قد تكون معقولة. في لقاءات سابقة مع ديبلوماسيين أو سياسيين غربيين، تسنى لي أن ألحظ نسقاً متكرراً: نوضع نحن السوريين المعارضين للدولة الأسدية تحت الضغط دوماً، ونطالب بأن نطمئن مخاطبينا الغربيين بأن شؤون بلدنا ستكون على ما يرام بعد رحيل النظام. وبما أننا لا نستطيع إسماعهم هذا الشيء الوحيد الذي يحبون سماعه منا، تنتهي لقاءاتنا بالإحباط. إحباط ناشطين وكتاب لاجئين فقدوا كل طمأنينة، وتدمرت حياة أسرهم وبلدهم بالمعنى الحرفي للكلمة في كثير من الأحيان، إحباطهم من أن كل ما يقولونه عن المسؤول الأول عما أصابهم وأصاب بلدهم يبدو تضييعاً لوقت المخططين السياسيين الغربيين الثمين، وإحباط مسؤولين غربيين من أنهم لا يسمعون منا “إجابات مرضية”، على ما يشغل بالهم بشأن “الفراغ” في سورية، أي بشان أوضاع غير ممسوكة جيداً إن سقط “الممسك” الحالي. والأوضاع الممسوكة جيداً تقتضي ممسكين جيدين، ضرب من “البنية التحتية الأمنية” التي كانت السيدة هيلاري كلنتون حريصة على بقائها في سورية، وإن دون بشار الأسد (مذكراتها: Hard Choices). لكن “البنية التحتية الأمنية” هي بالضبط مصدر الإذلال العريق للسوريين طوال أربعين عاماً على الأقل، وهي التي نظمت صناعة اعتقال وتغييب قسري وتعذيب وقتل، قالت أمنستي إنترناشنال (منظمة العفو الدولية) في شباط من هذا العام إن من المحتمل أن 13 ألفاً قد أعدموا على يديها في سجن صيدنايا. من قتلوا تحت التعذيب في المقرات الأمنية ذاتها يصعب تقدير عددهم، لكن تقرير سيزار الشهير، تضمن 55 ألف صورة مروعة لما يقترب من 8000 منهم قتلوا قبل نهاية آب من عام 2013.

من كان مثلي، معتقلاً سابقاً في سنوات الأسد الأب، أو من قرأ حكايات السوريين الكثيرة عن تجاربهم في المقرات الأمنية وفي سجون تدمر وصيدنايا، يعرف أن المطلب العادل هو بالضبط  التخلص من هذه “البنية التحتية الأمنية” بوصفها منظمة إرهابية إجرامية، مؤسسة على الكراهية والجريمة، مثل داعش. بل تتفوق على داعش في أن لها تاريخاً أطول بكثير من الاعتقال والتعذيب والقتل.

طلبت الكلام، وقلت إني ربما أملك جواباً على سؤال النائب السابق. ابتسم الرجل مشجعاً، فسارعت إلى القول إني أرى السؤال غير عادل وغير شرعي، وإني لا أفهم لماذا يُنتظر من سوريين لاجئين أن يعطوا ضمانات لأي كان في أن ما يعقب حكم السلالة الأسدية التي تسببت بلجوئهم سيكون أوضاعاً مستقرة وآمنة. قلت إني في الحقيقة “أضمن” ألا يكون الوضع مستقراً وآمناً بعد نصف قرن من الحكم بالتعذيب والمجازر؛ وأن بشار الأسد، وهو المسؤول شخصاً ونظاماً، عن تهجير نحو ستة ملايين منهم خارج سورية (منهم ما يقترب من نصف مليون في ألمانيا نفسها)، وعن قتل مئات الألوف من السوريين بسلاح الطيران والبراميل المتفجرة والسلاح الكمياوي والتعذيب المنهجي، أن مجرماً مثل هذا يجب أن يسقط أمس قبل اليوم. نقطة انتهى.

بعد سقوط النظام ستكون أوضاع سورية مضطربة لسنوات طويلة، عقدٍ من السنين أو أكثر. ولذلك سنحتاج إلى مساعدة الجميع. لكن من شأن هذا التغير السياسي المهم، الأهم طوال عمري الشخصي، وطوال عمر أكثر من 90% من السوريين، أن يحرض ديناميكيات اعتدال ومصالحة وتقارب، تعاكس ديناميكيات التشدد والعسكرة والتطييف التي أطلقتها وحشية النظام، وانتفعت منها التنظيمات العدمية الإسلامية. دينامكيات التقارب هذه مؤكدة بالقطع، وإن كانت لا تضمن أوضاعاً مستقرة فورياً. وفي كل حال لا يجوز أخلاقياً ولا سياسياً مكافأة من صنع الفراغ السياسي في سورية عبر تحطيم كل نشاط سياسي أو اجتماعي مستقل بالبقاء في السلطة خوفاً من مزيد من الفراغ.

لكن لماذا يريد ممثل منتخب سابق للشعب الألماني أن نرضى بمن قصفنا بالبراميل والسلاح الكيماوي، ما دمنا لا نضمن أن تكون سورية في حال أفضل فور سقوطه؟ هل يرضى هو بذلك في ألمانيا؟ وأخشى أن الإجابة تحيل إلى حقيقة أن الرجل لا يرانا مساوين له، وأن ما ليس مقبولاً في ألمانيا من وجهة نظره يمكن، أو ربما يجب، أن يكون مقبولاً في سورية!

لكن إن كان الأمر كذلك، فهنا يتوقف كل نقاش ويفقد معناه وجدواه.

في تدخل ثان له قال الممثل المنتخب السابق للشعب الألماني: هل ترضون بانتخابات حرة يفوز فيها بشار الأسد؟ عبء إثبات حسن النية يقع، في نظر الرجل، على الضحايا وليس على القاتل! كأن النظام نطق في أي وقت بعبارة انتخابات حرة، وكأننا لسنا نحن من دعا طوال الوقت إلى تغيير ديمقراطي وحل سياسي!

لكن يا سيدي النائب السابق، الأمر لا يتعلق اليوم، ومنذ عامين على الأقل ببشار الأسد، بل بروسيا وإيران. خلال سنوات خوفك من الفراغ في بلدنا، احتلته دولتان توسعيتان وتسلطيتان، وتتقاسم مناطق النفوذ فيه دول ومنظمات متعددة. بشار الأسد صار تفصيلاً. ما ليس من الماضي، أو ما يعود إلينا اليوم من الماضي، هو استعداد غريب متكرر في الديمقراطيات للعمل في خدمة الطغيان.

هذا ما نحتاج نحن، قبل الجميع، إلى ضمانات بشأن القطيعة معه.

نبذة عن الكاتب

ياسين الحاج صالح

كاتب سياسي ومعتقل يساري سابق، مؤلّف مشتغل بالشؤون السورية ونقد الثقافة والإسلام المعاصِر.

Loading Facebook Comments ...