اكتبوا عن الأحياء فخدمة الـ Wi-Fi غير متوفرة في المقابر

دخلت إلى محل لبيع الكهربائيات في مدينة الباب بغية شراء “ليدات” لبيتي وعندما أخذت أشرح للبائع ما أريد وأحدد له طلبي، عارضني رجل يرتدي جاكيتاً رياضياً كحلي اللون مقلماً بلون أبيض، وحال بيني وبين البائع، نظر إلي وكأنه يريد أكلي وشعرات ذقنه المبعثرة أخذت تدقدق بشرة جبيني، ابتعدت عنه، ليبدأ بعتابه لي: بسيطة يا “خَليّفيه” (كما يلفظ أسمي أهل مدينة الباب) وأخذ يعاتبني ويستفسر بالوقت نفسه عن مدى صحة كلام أبو رسول النجار حول نشر قصة هروبه من السجن في كتاب يباع في “دول برا” ومكتوب اسمه باللغة الإنجليزية؟

أجبته بنعم، ليبدأ بمد رأسه واقتراب أنفه من جبيني، وأخذ يعاتبني مرة أخرى عن عدم كتابة قصته التي بدأ يسردها لي وكيفية هروبه من سجن مبنى المالية في مدينة الطبقة بريف الرقة الغربي أثناء سيطرة تنظيم الدولة- داعش عليها، وكيف كان السجان كل خمسة عشر يوماً يفتح كوة باب المهجع ويشعل سيجارة ويترك دخانها يملأ المهجع ولا يشرب منها، وعندما تحرق السيجارة نفسها يطفئها ويغلق الكوة.

وكلما كان ينتهي من تفصيل من تفاصيل هروبه ووصوله إلى مناطق سيطرة الجيش الحر بريف حلب الشمالي ينهي كلامه بجملة: “الله يسامحك قصتي إلا قصة أبو رسول.. لو بعرف هيك كان خليت الأمنيين يسجنوك معي”!

وعدته بنشر قصته، وكما تقرؤون هذه قصته وقد وفيت بوعدي له.

منذ صغري، كلما تشدني شخصية بطل ما في رواية ما، أبحث عن هوية البطل وإمكانية التعرف عليه أم لا، بعد البحث أكتشف أن شخصيات الرواية من خيال الكاتب، وأتذكر أن ما شدني لقراءة روايات الأديب اللبناني أمين معلوف هو ذكره في نهاية رواية” صخرة طانيوس” أن أحداث الرواية للصفحة كذا وقائع حدثت في لبنان وما تبقى من أحداث الرواية من خيال الكاتب، وهو ما أراحني من عناء البحث. وأذكر أني ذهبت إلى مدينة أنطاكيا التركية أتلمس أماكن شخصيات رواية عزازيل للكاتب يوسف زيدان، وأتلمس القرى وتقسيمات شوارع الرقة التي يذكرها الأديب الراحل عبد السلام العجيلي في قصصه وأقنع نفسي أن عم والدي الذي يزور حلب قادماً من الرقة بغية العلاج يشبه المريض الذي زار عيادة الدكتور عبد السلام العجيلي كما في كتاب عيادة في الريف للأديب.

لِمَ لا نكتب عن الأحياء وننشر عنهم قبل أن يموتوا، ونريح شاباً أخر من عناء البحث عن أبطال القصص، ولا أعلم إن كان ما يحدث في العالم وفي سورية يتطلب من الكاتب الاتكاء على الخيال، لأن ما حدث في سورية يفوق الخيال، ولا أعتقد أن الخيال باستطاعته تخيل رئيس يبتسم في صورة ويوقع على قميص فريق كرة قدم فاشل وعلى بعد عدة كيلومترات يموت طفل بسبب سوء التغذية في الغوطة الشرقية المحاصرة.

لا أقدر أن أصف وأرسم تعابير وجه أبو رسول النجار عندما مال نحوي بسيارته وسألني أمام الرجل الذي يجلس في الكرسي الخلفي من السيارة: إعلاني مو نشرت قصتي بكتاب برا البلد؟ أجبته بنعم ونظر إلى الرجل في الخلف وقال له: شفت؟؟؟ صدقت؟؟؟ قصتي الأجانب هلق بقروها!

وكما لا أقدر وصف شعوري وشعور شاهين المقاتل وابن الشهيد وأخو الشهيد عندما كتبت قصته أثناء نجاته من سيارة مفخخة كادت تقتله وتقتل أصدقاء مجموعته المرابطين بوجه تنظيم “الدولة” بريف حلب الشمالي.

دخلت معسكر أحد الفصائل، وبدأ مجموعة من العناصر يخرجون من الخيم المخصصة لهم ويجلسون بقربي لسؤالي عن قصة شاهين، وناصر المذكور في القصة هو ابن عم أحدهم، وليقول لي آخر بلهجته الإدلبية: ع فكرة أنا بكره شاهين بس يا زلمة خليتني أحبو.

إن كان عدد مشاهدات المادة المنشورة عن شاهين وصل إلى ألف مشاهدة، فأجزم أنه تمت قراءتها من مئة شخص والمشاهدات التسعمئة الباقية هي من شاهين نفسه وقراءته المتكررة لقصة نجاته.

لماذا لا نكتب عمن هم حولنا، ولا ننتظرهم حتى يموتوا لرثائهم، فالقبور لا تتوفر بها خدمة الـ WiFi ، إن كان وقد حكم علينا بالخراب المجتمعي الذي ينهك أجسادنا بالكراهية وأخذت أحاديثنا أياً كانت صفتها تبدأ بكلمات روتينية وسرعان ما تتجه نحو الغيبة بمن حولنا، ويأخذ الحديث شكل دوائر تبدأ بمن حولنا وتنتهي بالسوري الذي يسكن في قرى تشيلي، إن كان وقد حُكمنا بالغيبة، أو كما بات يعرف بالمصطلح السوري  بـ”الشلي” فلماذا لا يكون هذا الشلي إيجابياً، بالكتابة عنهم ونشر صورهم مرفقة بمدونة عنهم، وإن كان أحدنا لا يجيد الكتابة فكيف لمن يجيد “الشلي” ألا يجيد الكتابة فالشلي بات من أنواع الكتابة.

الدفاع المدني – الخوذ البيض

جرب اكتب عن حي في مدينة ما تم تزيينه بصورة “بطل” من “الجيش السوري” برتبة عقيد طيار، وأرسل رابط القصة والصورة لأم فقدت كل أبناءها ببرميل متفجر وفقدت مجموعة أكواب القهوة التي كانت تزين بها منزلها، وأخبرها بأن العدالة الربانية تعمل ليل نهار للقصاص من القتلة إن لم يكن يوجد قضاء عادل ولا مجتمع دولي عادل.

أو صف لنا بمدونة بسيطة كيف لعائلة وجدت من مبنى بريد سابق منزلاً لها وسكنت به، كيف صرخ طفلهم الصغير في وجه والده أثناء حديثهم معك عن سكنهم الجديد، وعن ضيق الحال المادية،  كيف صرخ بوجهه وأخبره أن برج الاتصالات لشركة سيرياتل بات  غرفته الخاصة ولا يسمح لأي أحد بالدخول إليها.

اكتب لنا عن إعلامي في منظومة الدفاع المدني أخبرك أنه أحياناً يتمنى لو كان يستطيع تركيب عدسة الكاميرا على كفوف يديه أثناء انتشال الجثث من تحت الأنقاض أو نبشها من المقابر الجماعية لكيلا يحرم نفسه من ثواب التصوير وثواب المساعدة وإنقاذ الأرواح و/أو نبشها ودفنها في مقبرة ووضع شواهد لها تليق بجثث البشر.

حرضوا من تعرفون على الكتابة من كل المحافظات السورية ومن كل الأعراق والأديان والطوائف، فليكتبوا عما يشاهدونه فلا اعتقد أن غير الكتابة توحد الهوية السورية المشتتة الآن بحكم قوة السلاح.

اكتبوا عن القريب والبعيد فهناك من ينتظركم لقراءة ما تكتبونه عنه أو عن غيره.

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...