هُمام الحوت وأحمد البشير

بعد التجربة التأسيسية للكوميديان المصري باسم يوسف في برنامج “البرنامج”، فأن ظاهرة برامج الـ”توك شو” الكوميدية انتشرت في أغلب دول منطقتنا، دون أن يُحقق أي منها ما حققه برنامج باسم يوسف. فقد تراوحت مستويات شعبية وانتشار ودور هذه البرامج في الحياة العامة، الاجتماعية والثقافية.

على أن ذلك التفاوت لم يُلغِ الفارق الجوهري الواضح بين مُختلف النُسخ من هذه البرامج، شكلت النُسختان السورية والعراقية قُطبي الاختلاف: برنامج “السيناريو” الذي يُقدمه الفنان السوري هُمام الحوت على قناة الأورينت، وبرنامج “البشير شو” الذي يُقدمه الفنان العراقي أحمد البشير.

فالنسخة السورية لاقت أعلى درجات النبذ والتململ على صفحات التواصل الاجتماعي، فبرنامجه يكاد أن يكون مُحصلة للكليشيهات الجاهزة والنُكات التقليدية والمواضيع المُستهلكة والأداء المُترهل، مع فيضٍ طافحٍ من الطائفية والقومية والمناطقية المحضة. شيء لا كوميديا ولا حساسية ولا رهافة به، مُجرد خِطاب سياسي طائفي مُستقطب.

على العكس تماماً، حققت النسخة العراقية الكثير من السمات التي حققتها نِظيرتها المصرية التأسيسية. ففي بلدٍ مُعقد كالعراق، بملفات الفساد والطائفية والمناطقية المُركبة المُعقدة، وفي ظل لهجة عراقية لم يُعرف لها انتشار أو إرث كوميدي، فبرنامج “البشير شو” حقق أعلى درجات القبول. مُستخدماً مزيجاً من الرهافة والحساسية والمدنية، دون أن يكون مُستقطباً لأية جهة سياسية أو طائفية أو قومية أو مناطقية. بل فقط متماهٍ بدرجة عالية مع روح الحياة الشعبية العامة العراقية، في أكثر درجاتها حساسية وبساطة، تلك الروح التي حين لم تعد تستطيع أن تفكك أحوال البِلاد المُعقدة بالمنهجيات المعرفية العُليا المُعقدة، تميلُ لأبسط الأدوات الإنسانية لمواجهة ذلك، التهكم والسخرية، التي صنفها افلاطون كأعلى درجات المعرفة.

ثمة ما هو بسيط لفهم فشل التجربة السورية ونجاح نظيرتها العراقية، يتعلق بجوهر ومنطق ودور ووظيفة الكوميديا في الحياة العامة، والقائمة على ثُنائية تقليدية بسيطة:

إذ ثمة في الحياة العامة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى الدينية، ثمة ما هو بالغ الرسمية والأدلجة والاعتداد بالذات، وهي على شكل مُكاذبة واضحة المعالم، حتى تُغطي على هشاشة الذات الإنسانية التي تختبئ خلف تلك الرسمية والأدلجة والاعتداد بالذات. كذلك كي تُبعد تلك الشخصيات عن نفسها  تُهم  الفساد والطائفية والقومية والمناطقية ونشر العُنف والدعوة للكراهية. لذا فأن وظيفة الكوميديا في الضمير الشعبي العام، وعبر حسٍ كوميدي مُرهف، هي الكشف عن هذا التناقض الجوهري بين ما يظهر من طبقة السياسيين والاقتصاديين والمثقفين ورجال الدين، وبين حقيقة ومرامي هذه الطبقة.

يتكثف هذا التناقض في مجتمعات دولنا وأحولها، فطبقة السياسيين والمثقفين ورجال الدين بالغة المُحافظة والرسمية والأدلجة، وهي بهذا المسعى مُعادية للحس الشعبي الأبسط، وطبعاً الأكثر صدقاً وتصالحاً بين ما تقوله وتُصرح به، وبين ما تُمارسه فعلياً.

بهذا المعنى، فأن الكوميدية تفقد وظيفتها الجوهرية فيما لو تماهت مع أفعال الطبقة السياسية والاجتماعية والدينية. أي فيما لو غدت أداة للطائفية والقومية والعُنصرية والخطابات الايدلوجية المُعتدة، التي تُزيف الأحوال والحياة العامة. وهو بالضبط الفرق بين برنامج هُمام الحوت وأحمد البشير.

كان للحوت شيء من ذلك في مراحل سابقة من حياته الفنية. ففي وقتٍ كانت سوريا غارقة في أعتى موجة من الاستبداد والفساد الاقتصادي وهيمنة طبقة من رجال القصر والقرابة على الحياة العامة، فأن مسرحيات الحوت التي كانت تُعرض في مُختلف المناطق السورية، كي ترسم واقعاً مزيفاً، يوحي بأن مسألة السوريين هي في دعم “المقاومة العراقية” أو الانتفاضة الفلسطينية فحسب. وإذا قارب شيئاً من الحياة العامة، فأنه يذهب لتسخيف كُل المعارضين الحقيقيين للنِظام السوري، فقط للإيحاء بأن المشكلة الداخلية كامنة في بعض الموظفين الفاسدين وعناصر المخابرات الخارجين عن إرادة رأس النِظام. وأن تكون الأداة الكوميدية الوحيدة له هي النُكت الجنسية والطائفية الساذجة.

لا شيء تغير في تجربة هُمام الحوت فيما بعد، خلا تغييره لموقعه السياسي. لكن في جميع الأحوال فأنه مؤيد لتيارٍ سياسي اجتماعي طائفي طبقي بعينه، أي أنه جزء من الطبقة التي يجب على الكوميديا أن تفككها وتفسخها، لذا فأنه لن يستطيع أن ينجح في وظيفته الكوميدية. على عكس ما يفعله الكوميدي العراقي أحمد البشير، الذي لا يُمكن التنبؤ بأي من انتماءاته السياسية والاجتماعية والطائفية والقومية، فهو يظهر بصفة وروح الشخص العراقي الشعبي البسيط، الذي يُعاني من هول ما يُمارس عليه من قِبل كامل الطبقة السياسية والدينية والطائفية القومية والمناطقية الفاسدة

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...