“الدولة الإسلامية” في سيناء: من ولاية إلى المركز

“الدولة الإسلامية” في سيناء: من ولاية إلى المركز

شهد منتصف شهر تشرين الأول- أكتوبر تصاعداً غير مسبوق في وتيرة هجمات تنظيم “الدولة الإسلامية”-(ولاية سيناء)، ففي صباح يوم الاثنين، 16 أكتوبر، شن التنظيم هجوماً بالقنابل اليدوية والأسلحة النارية على ارتكازات أمنية وسط مدينة العريش، وفرع للبنك الأهلي فيها، أسفر عن سقوط 7 من القتلى من قوات الجيش والمدنيين، واختطاف أحد العاملين بالبنك، بالإضافة إلى الاستيلاء على 17 مليون جنيهاً مصرياً، هي محتوى خزينته بالكامل. وفي اليوم السابق، كان التنظيم قد شن خمس هجمات متزامنة، بالأسلحة الخفيفة وقذائف الهاون على ارتكازات أمنية في مدينة الشيخ زويد وقرب العريش، أسفرت عن 5 قتلى من قوات الجيش، وفي مساء اليوم نفسه، أطلق التنظيم صاروخين من سيناء على مدينة أشكول، في جنوب إسرائيل. وقبل ذلك يومين، وقع هجوم على نقط أمنية على الطريق الدائري جنوب مدينة العريش، أسفر عن سقوط 6 قتلى من قوات الجيش المصري، في اليوم نفسه الذي نشرت فيه وكالة أعماق، الذراع الإعلامية لتنظيم داعش، تسجيلاً لعملية إعدام ميدانية، لمواطن سيناوي، بحجة تعاونه الجيش.

 

 الأسبوع الدامي، الذي افتتحه هجوم انتحاري للتنظيم على مصنع للإسمنت مملوك للجيش، وسط سيناء، في 11 من شهر تشرين الأول ذاته، ربما لا يكون ذروة الاشتباكات المسلحة في سيناء وخارجها، والتي يقدر عدد ضحاياها، في الأعوام الأربعة الماضية، بأكثر من ألف قتيل في صفوف قوات الشرطة والجيش فقط دون حساب المدنيين، لكن تصاعد وتيرة العمليات وتتابعها، وتنوع وسائلها وأهدافها بين منشآت صناعية، وبنوك، وإعدامات ميدانية لمدنيين، وقصف صاروخي لجنوب إسرائيل، بالإضافة لهجمات متزامنة ومتتابعة على النقاط الأمنية في وسط مدن شمال سيناء، وعلى الطرق السريعة خارجها، تحمل الكثير من الدلالات، بعضها متناقضة.

ففيما تبدو الهجمات الأخيرة في تركزها في رقعة جغرافية ضيقة من مثلث العريش- الشيخ زويد- رفح، دلالة على تراجع قدرة ولاية سيناء على توسيع منطقة عملياتها، ونجاح الحملة الأمنية في تضييق الخناق على التنظيم، فإن الأمر الذي لا يجب أن يغيب عن الذهن، هو أن أهداف ولاية سيناء من هجماتها هي دعائية بالإساس، أكثر منها طموح لبسط سيطرتها على الأرض بشكل مباشر ومستقر أو توسيعه. فالخسائر الفادحة التي أصابت التنظيم بفضل القدرة الجوية للعسكرية المصرية في معارك الميادين المفتوحة، قد دفعت ولاية سيناء للتركيز على عمليات نوعية ومحدودة، ثبت عمق تأثيرها مرة بعد أخرى. فإسقاط الطائرة الروسية في شرم الشيخ، لم يكن ضربة موجعة للقطاع السياحي والاقتصاد المصري لم يتعافى منها إلى اليوم فحسب، بل وأيضاً سبباً في إحراج شديد للنظام المصري أما شركائه الغربيين. وكذلك فإن الهجمات المنظمة والمتتابعة ضد الأقباط في مدن شمال سيناء، والتي انتهت بنزوحهم جماعياً من المحافظة، كانت ضربة أخرى، لصورة الدولة المصرية، ومدى قدرتها على حماية مواطنيها.

تأتي استثنائية القيمة الدعائية للهجمات الأخيرة في سيناء وتصاعد وتيرتها، على خلفية الانهيارات المتتابعة لتنظيم “الدولة الإسلامية” في كل من سورية والعراق في الشهور القليلة الماضية، وكذا انحسار موجة هجمات منتسبيها في الغرب، مؤخراً، وهو أمر ربما له أن ينقل الثقل المعنوي للتنظيم وقبلته العقائدية من أراضي “الخلافة” التي تم خسارتها في معاقلها الرئيسية، إلى ولاية “سيناء المباركة”، كما تطلق عليها نشرات وكالة أعماق. وهناك العديد من العوامل التي تحبذ هذا الاحتمال، فضربات موجعة للدولة العربية الأكبر من حيث السكان، ولجيشها الأكبر تعدداً في المنطقة، يبدو هدفاً مغرياً لمقاتلي التنظيم الذين خسروا مناطق سيطرتهم في أماكن أخرى، ونصراً معنوياً كفيلاً بتأكيد بقاء الخلافة واستمرار معاركها. وفي الوقت ذاته فإن الهجمات، التي شنتها ولاية سيناء ضد إسرائيل من الأراضي المصرية، مع قلتها، لا تبدو حافزاً فقط لتصاعد وتيرة انضمام مقاتلين فلسطينيين من قطاع غزة إليه فقط، بل تمنح فرع التنظيم في سيناء موقعاً استثنائياً على الخارطة الجهادية، كنقطة انطلاق للجهاد ضد إسرائيل.

هكذا، ومع ما يضمنه ذلك الرصيد المعنوي التي تراكمه ولاية سيناء، من ثقل يسمح لها باجتذاب المزيد من الموارد المالية، والقوى البشرية، والخبرات القتالية والعتاد العسكري، بغية الاستمرار في هجماتها الدقيقة والنوعية، شديدة الإيلام في سيناء وخارجها، فربما لفرع الخلافة في مصر، أن ينتقل من كونه مجرد ولاية فيها، إلى مركزها.

نبذة عن الكاتب

شادي لويس

كاتب وباحث مصري، حاصل على شهادة الماجستير في علم النفس من جامعة إيست لندن، يكتب المقال في عدد من المواقع والصحف العربية

Loading Facebook Comments ...