عصام زهر الدين والنمس وأبو عصام

لم يكن ظهور الضابط عصام زهر الدين في ذاك الفيديو الشهير، متوعداً اللاجئين السوريين، سوى بداية النهاية بالنسبة له، ليس بسبب تهديداته التي أطلقها حينها بالطبع، بل بسبب لحيته التي جعل يداعبها ويحلف باسمها، مستفزاً لا اللاجئين السوريين وحدهم فحسب، بل مثيراً حنق “النمس” نفسه (سهيل الحسن)، كما يسميه استخفافاً يعرب زهر الدين، الملقب أبو عصام، وهو الحارس الشخصي، وأحد المقاتلين المرافقين لوالده، الضابط المغدور، عصام زهر الدين.

وسط أجواء سرية محفوفة بالمخاطر، وعقب جهود مضنية ووساطات جبارة قام بها الكيصر (عمر سليمان) شخصياً، تمكنت خلالها من إجراء لقاء خاطف وحصري مع أبي عصام، والذي أخذ يروي قصة المؤامرة التي حاكها ” النمس” بنفسه، عقب ذلك الظهور المثير لوالده ذي اللحية السكسية، والتي دفعت “بالنمس” قدماً بالشروع في تنفيذ مخططه، ابتداء من سعيه الحثيث لإقناع القيادة بضرورة إصدار تعميم صريح يقتضي بمنع إطلاق اللحية (وهو ما حدث بعدها بالفعل)، وانتهاء باغتيال العميد برصاصة مباشرة في رأسه، بواسطة قناص تابع لجماعة “النمس”، نافيا ما تناقلته وسائل الإعلام حول مقتل والده نتيجة انفجار لغم أرضي بمدينة دير الزور.

عصام زهر الدين للسوريين في الخارج: لا تعودوا وإلّا!
عصام زهر الدين

قبل ثلاثة أيام من اغتياله، وفي تمام الساعة الرابعة فجراً بتوقيت دمشق، حطت طائرة هليكوبتر، بسرية تامة، في مطار المزة العسكري، كانت تحمل على متنها قائد لواء “النخبة” في الحرس الجمهوري، عصام زهر الدين، وبعضاً من مرافقيه، بينهم ولده أبو عصام، والذي شهد ملابسات الأحداث التي جرت في ذلك اليوم.

 ما أن ترجل العميد برفقة ولده من الطائرة، حتى وجدوا سيارة بانتظارهم، جلس الابن بالقرب من السائق، بينما جلس الضابط عصام  في الخلف، متفاجئا بوجود ” النمس” في انتظاره، وهو يرحب به بابتسامة خبيثة كشفت عن “سن ذهب”، حاول “النمس” جاهداً إخفاءه عن عيون الصحافة ووسائل الإعلام المحلي والعالمي!..

انطلقت السيارة مسرعة، دون أن تتوقف تقريباً عند أي حاجز من حواجز النظام أو نقاط التفتيش، المنتشرة بكثرة على الطريق المتجه نحو القصر الرئاسي، ، كانت السيارة تكاد لا تقف عند حاجز ما، حتى يفتح ” النمس” زجاج نافذته، كاشفاً عن “سنه الذهب” اللامع تحت ضوء البيل الكهربائي، المنبعث من يد أحد عناصر الحاجز، والذين كانت ترتعد فرائصهم كلما رأوه، لتنطلق السيارة مجدداً.

ولدى وصولهم القصر الرئاسي، اتجه عصام برفقة “النمس” نحو قاعة الاجتماعات، بينما بقي الابن في الخارج بانتظاره، لم تمض أكثر من عشرة دقائق، حتى خرج قائد قوات النخبة وقد اكتسى وجهه بلون أحمر فاضح، تبعه على مهل الرئيس بشار الأسد وهو يطلق قهقهة  بصحبة “النمس” وعدد من كبار الضباط .

 فجأة نادى الرئيس للضابط قائلاً “عثام”، (هكذا يلفظ سيادته اسم “عصام”، ليس استخفافا بالطبع ولكن المشكلة بنطق سيادته، حفظه الله) إلا أن الضابط ظل يتقدم ماشياً، متظاهرا بالطرش، أو أنه ربما لم ينتبه للصوت حقا من شدة غضبه، فردد الرئيس مجدداً “عثام .. عثام”، ليلتفت العميد على الفور، “ما بدنا مشاكل”.. قال الأسد بصوت واضح، ليردد من ورائه “النمس” (بصوت مجلجل) “حلقها بقا.. أحسن ما نحلقلك ياها”، وهو ينظر للضابط  تلك النظرة السامة، مصحوبة بابتسامة ذهبية صفراء، وسط قهقهة سيادته.

انطلقت السيارة مرة أخرى لتعود أدراجها، متجهة نحو مطار المزة العسكري، لتقلع الطائرة عائدة بهم إلى دير الزور، دون أن يهمس قائد لواء النخبة في الحرس الجمهوري، بأية كلمة على الإطلاق.

****

 لم يعد عصام زهر الدين، عقب تلك الحادثة، كما كان أبداً، فقد كانت ساعاته الأخيرة منهكة للجميع، ففي يومه الأول، كان عصام ما يلبث أن يغفو قليلاً حتى يستيقظ مرة أخرى وهو يصرخ “أنا العميد مصطفى زهر الدين ولاك”، حاول ولده التحدث معه ملياً ولكن دون جدوى، كان وجهه كوجه عجوز خرف، يلهث بشدة وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة.

العقيد سهيل الحسن – النمر (النمس)

في اليوم التالي سمع الجميع صوت ارتطام قوي صادر من غرفة العميد، تقدم أبو عصام وآخرون ليجدوا قائد لواء النخبة واقعا على الأرض، بعد محاولته القيام من سريره، رفعه ولده عن الأرض، طالبا من الجميع إخلاء الغرفة، كان الضابط يرتجف هلعاً و يردد جملاً غير مفهومة بينها كلمات مثل “لحية” و”أشلاء” و”سن ذهب”!

جلس أبو عصام بالقرب من والده، ساعيا لبث الطمأنينة في قلب العميد، وهو يمسد رأسه قارئاً المعوذات، إلا أن العميد المسكين ظل يبكي مثل طفل، يقول بأنه كلما غفا قليلاً، كان يرى نفسه في شارع لا نهاية له، يركض عارياً، حليق الذقن، تطارده أشلاء بشرية بعثت من جديد، لأناس يملك جميعهم سنّاً ذهبية! ويحهم يا عصام ويحهم .. يطلبون منك حلاقة ذقنك لتمييزك عن صور أولئك الإرهابيين، وما علاقتك أنت بالإرهاب؟! وأنت الذي كنت تلتقط صور السيلفي مع جثث قتلاك المارقين بعد تقطيع أوصالهم، وتعليق ما تبقى من أشلاءهم، ليسجل التاريخ أندر لحظات حياتك!”

حاول أبو عصام تهدئة والده بشتى الوسائل، فأمر جنوده أن يحضروا من الطعام أطيبه، ومن الأشربة أعذبها، ومن النساء أجملها، إلا أن قائد قوات النخبة استمر ببكائه السرمدي دون توقف، إلى أن خطرت لأبي عصام فكرة ما أن أخبر بها أباه، حتى توقف الأخير عن نحيبه تماماً “غدا سنقوم بتركيب سن ذهب لك، كذاك الذي يضعه النمس، شريطة أن تحلق ذقنك بعدها”.

عقب ساعات قليلة، استيقظ قائد قوات النخبة، بعد أن نعم بنوم هادئ، ولو لعدة ساعات، استعاد بها بعضاً من قوته، تمكن خلالها من تناول فطوره بنفسه، وسط مراسم عسكرية، تكررت تأديتها مجدداً أثناء تشييع جثمانه، بعد أن طالت به يد الغدر لدى خروجه من مكان إقامته، متوجهاً لتركيب “سن الذهب”.

الفيديو الأخير، والذي يظهر فيه العميد عصام وهو يقول “كيفها أمك”، فهو لم يكن موجهاً لأحد جنوده، كما أشيع أيضاً، بل كان في حقيقة الأمر موجهاً  لـ”النمس” نفسه، الأمر الذي يؤكده أبو عصام، ابن المغدور، عصام زهر الدين، فيما هو يتحدث في قرارة نفسه متوعداً “فعلها النمس، ولكني سأقول كلمتين فقط ..جاييك الدور”.

– – – –

من مذكرات معارض سوري عبقري مطلع على خبايا النظام.

نبذة عن الكاتب

Loading Facebook Comments ...