ما بعد “الدولة”: الداعشية بوصفها ثقافةً فرعية

ما بعد “الدولة”: الداعشية بوصفها ثقافةً فرعية

ربما كان الحديث عن مرحلة “ما بعد داعش” سابقاً لأوانه، وقائماً على اختزال الظاهرة الداعشية إلى مجرد هيمنة ترابية على أجزاء من الخريطة السورية والعراقية. وعلى الرغم من أن أنصار التنظيم ومقاتليه عولوا كثيراً على ما استولوا عليه من أراضٍ، إلى درجة أن صيحة “باقية”، القادمة من شعار: “دولة الإسلام باقية وتتمدد” الشهير، قد حلت لدى الدواعش في كثير من الأحيان محل هتاف “الله أكبر” الذي يردده الجهاديون عادةً لدى تنفيذ عملياتهم، إلا أن “داعش” أكبر من أن تكون مجرد ظاهرة عسكرية أو دولتية.

يمكن التمييز في الداعشية بين مستويين أساسيين: الأول محلي مرتبط بالصراعات الأهلية والطائفية والعشائرية التي لا تنتهي في منطقتنا، والثاني عالمي يرتكز على الآليات السائلة للعولمة الاجتماعية والثقافية بل وحتى الاقتصادية. وأهمية داعش تكمن أساساً في كونها نجحت ببراعة بالربط بين المستويين، فباتت آليات العولمة على يدها رافداً  أساسيا للصراعات الأهلية المحلية، التي تطورت بدورها لتصبح قضايا متجاوزة للحدود المحلية وذات بعد عالمي. إذا كان لنا أن نتبع تعريف المفكر والجغرافي الشهير ديفيد هارفي للعولمة و”حالة ما بعد الحداثة” بوصفها شكلاً جديداً لـ”انضغاط المكان والزمان”، وإعادة ضبط وتعريف علاقتهما المتبادلة، فإن داعش هي من أكثر الظواهر تمثيلاً لروح العصر.

داعش حتى اليوم لم تخسر أياً من هذين المستويين، ومازالت قادرة من جهة على “ضغط” فضاء العولمة ليصبح عاملاً فاعلاً في الصراعات المحلية، ليس فقط في العالم العربي، بل في المنطقة الممتدة من أقصى شرق آسيا وصولاً إلى ضواحي باريس، ومن جهة أخرى جعل المعارك والتفاصيل الغارقة في محليتها إشكالياتٍ دولية.

ما الذي قد يتغير إذاً بعد سقوط الموصل و”التحرير” المتوقع للرقة ودير الزور؟  ربما كانت فكرة “الدولة” هي أكبر الخاسرين.

نهاية “الخلافة” في بلد واحد

السجال الذي دار بين الجهاديين، على اختلاف مواقعهم، بعد إعلان الخلافة في الموصل، ذكّر الكثيرين بواحد من أهم سجالات القرن الماضي، أي الخلاف بين الشيوعيين بعد الثورة البلشفية على فكرة “الاشتراكية في بلد واحد”. وعلى الرغم من أن بلاغة الظواهري والعدناني والجولاني تختلف جوهرياً عن المطولات الكتابية والفكرية التي انتجها لينين وتروتسكي وروزا لوكسمبورغ حول الموضوع، فإن هنالك وجهاً أساسياً للتشابه بين السجالين: هل يمكن إقامة الدولة الاشتراكية أو دولة الخلافة، وهما التجسيد العيني لليوتوبيا، في رقعة جغرافية محدودة،  وبالانفصال عن حال الحركة العمالية أو تطور أوضاع المجاهدين، وبالتجاور مع الرأسمالية أو أنظمة الكفر والطاغوت؟ وهل يمكن لهذه الدولة الاستمرار وتجسيد أهدافها على الأرض ضمن محيط معادٍ؟

هذا الجدل حسمه ستالين في القرن الماضي بتشييده الاتحاد السوفييتي بوصفه النموذج الصلب لـ”الاشتراكية في بلد واحد”. وبدا البغدادي قريباً من حسمه في قرننا مع إعلانه لخلافته الموصلية. وإذا كان النموذج الستاليني قد سقط سلمياً في مطلع التسعينيات نتيجة عوامل داخلية وخارجية شديدة التعقيد، فإن النموذج الداعشي يبدو قريبا من السقوط نتيجةً للعنف المحض الذي تنفذه قوات “الحرب على الإرهاب”. ربما لهذا السبب يبدو الدواعش أقدر على استيعاب صدمة السقوط من الشيوعيين، الذين لم يتعافوا من صدمتهم حتى يومنا هذا.

ما بعد "الدولة": الداعشية بوصفها ثقافةً فرعية
الشيوعية في بلد واحد

في خطاب البغدادي الأخير، يبدو “الخليفة”، بعد احتجابه الإعلامي الطويل، متكيفاً تماماً مع واقع اقتراب انهيار “الدولة”، معولاً على مجاهديه المنتشرين على امتداد المعمورة، القادرين على تكثيف عوامل الاحتجاج والمظلوميات الأهلية المتراكمة، وتحويلها إلى عمل جهادي عالمي لا يعرف الحدود. البغدادي لم يدع أنصاره للموت في سبيل ما تبقى من “الدولة”، بل كان أفقه واسعاً ومرُكّزاً على المستقبل.

هكذا أصبحت “الدولة المغدورة”، إذا كان لنا أن نستخدم لغة قريبة للغة تروتسكي، عاملاً إيجابياً في بناء نموذج محفز للمجاهدين، يعزز خطاب المظلومية الإسلامية، بدلاً من كونها عاملا مثبطاً يدفعهم لليأس. فيما يظهر أنه عودة إلى فكر المنظر الجهادي الشهير أبي مصعب السوري، الذي وصفه الباحث الفرنسي جيل كيبل بمفكر “الجيل الثالث من الجهاديين”.

الأسلوب الذي دعا إليه السوري يقوم على الشبكات الجهادية غير الهرمية، القادرة على العمل باستقلالية والتكيف مع مختلف الظروف المحلية، وتنفيذ عمليات جهادية موضعية ضد الخواصر الرخوة للعدو (أي ضد المدنيين على الأغلب) بدلاً من تركيز القتال ضد مراكز ثقل قوته.

داعش لم تتخل يوماً عن فكرة الشبكات غير الهرمية، إلا انها اقتنعت على ما يبدو بلا جدوى فكرة الدولة-المركز للجهاديين، واكتفت بما توفره الظروف من إمارات وجيوب ودويلات متناثرة هنا وهناك. بهذا تظهر الداعشية أقرب إلى منطقها الذاتي بوصفها بنتاً بارة للعولمة، التي انتهت فيها مركزية الدولة بوصفها الوحدة الأساسية للتنظيم الاجتماعي والسياسي، واقتصر دورها على كونها إحدى قنوات تنظيم التدفقات المعولمة اللامتناهية، والتي تشمل تدفق الأموال، المعلومات، الرموز الثقافية، البشر والعنف أيضاً.

الداعشية ثقافةً فرعية

الداعشية في مستواها العالمي تبدو بعد أعوام على إعلان الخلافة أكثر ترسخاً وتأثيراً،  فقد راكمت خلال السنوات الأربع الماضية الكثير على المستوى الرمزي والحركي، لدرجة يمكننا فيها أن نعدها ثقافةً فرعية تنتشر في أوساط لا بأس بها، خاصة في الحواضر العالمية الكبرى شرقاً وغرباً.

مفهوم “الثقافة الفرعية” Subculture مفهوم مترسخ في الدراسات الاجتماعية والأنتربولوجية الغربية منذ أربعينيات القرن الماضي، ويشير إلى مجموعات بشرية تملك معاييرها وأنماط حياتها وأساليبها الخاصة في السلوك والتعامل ورموزها الثقافية المغايرة لثقافة الطبقة الوسطى السائدة اجتماعياً. لا تتطابق الثقافات الفرعية بالضرورة مع ثقافة الأقليات العرقية والطائفية، فقد تكون ثقافات مجموعات تنتمي للأغلبية، اختار أفرادها طوعاً الانضواء في هامش الثقافة الفرعية.

العصر الذهبي للثقافات الفرعية كان في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حيث ظهرت ثقافات شهيرة أثرت بشكل كبير على المشهد الثقافي العام، مثل ثقافة الهبيين المرتبطة بموسيقا الروك والإدمان على المخدرات والحركة المناهضة للحرب، وثقافة حركات سياسات الهوية كالنسوية والمثلية والزنوجة. في ذلك العصر قدمت الثقافات الفرعية نفسها كثقافات مضادة للثقافة السائدة، وتمسكت بهامشيتها، بل لجأت في بعض الأحيان إلى العنف، كما في حالة التنظيمات اليسارية المسلحة في أوروبا، وتنظيم “الفهود السود” في أمريكا.

ما بعد "الدولة": الداعشية بوصفها ثقافةً فرعية
تنظيم “الفهود السود” (Photo by David Fenton/Getty Images)

اليوم خسرت الثقافات الفرعية شحنتها الثورية وتم ادماجها في التيار السائد Mainstream، فصار تقليد أجواء الأندرغراوند القديمة علامة تجارية رابحة مستخدمة بوفرة في الإنتاج الثقافي المرتبط برأس المال الكبير.

في هذا العالم الذي خسر روحه المتمردة القديمة تبدو الداعشية شكلاً جذاباً للبعض، يعيد إرادة المقاومة و”الجدل السالب” (كما يسميه منظرو مدرسة فرانكفورت) ضد المجتمع “إحادي البعد” المسيطر على كل تفاصيل الحياة.

بالتأكيد لا يفكر الداعشيون بمصطلحات مقتبسة من هربرت ماركوز كما هو الحال مع مصطلح “المجتمع ذو البعد الواحد”، إلا أن باحثين كثر يرون تمردهم على هذا الأساس، وعلى رأسهم الفرنسي أولفييه روا، صاحب نظرية “أسلمة الراديكالية”ـ

ما يفوت روا وغيره من أنصار هذه النظرية، هو طبيعة التمرد الداعشي ونمط العنف الذي يمارسه، الذي يختلف جوهرياً عما مارسته التنظيمات المسلحة الراديكالية فيما مضى.  راديكاليو الماضي كانوا يفكرون بمنطق “التحرير” وليس “التطهير”. أي أنهم كانوا يريدون تحرير البشر من الهيمنة السياسية والثقافية لـ”المجتمع ذي البعد الواحد”، بعد أن فقدوا الأمل بالحركات العمالية التي اندمجت في البنية المسيطرة وأصبحت أحد أعمدة الحكم. ولذلك كان عنفهم موجهاً إلى مراكز السلطة وشخصياتها الأساسية، وهو عنف لا يمكن مقارنته كمياً بالعنف الداعشي.

الدواعش من جهتهم يسعون إلى “التطهير”، أي تطهير الذات والآخر مما علق بها من رجس الكفر والفجور، وهذا التطهير لا يمكن أن يتم إلا بالكثير من الدماء. ولذلك فعنفهم عشوائي وعبثي ولا يمكن التنبؤ به. وقائم على ثنائية إيمان/كفر التي تجعل ميدان المواجهة مفتوحاً إلى ما لانهاية. الداعشية ليست أسلمة للراديكالية القديمة، بل هي نمط راديكالي جديد بشكل كامل يمتلك كل مقومات الثقافة الفرعية، في عصر أُفرغت فيه الثقافات الفرعية من مضمونها.

هذا النمط الراديكالي هو أحد الأشكال الممكنة لتأويل الإسلام المعاصر. فالإسلام كأي مصدر ثقافي غني ومترسخ تاريخياً له عدد كبير من الممكنات التأويلية والعملية. والنظر إلى الموضوع بهذه الطريقة قد يخلصنا من المعادلة البليدة: “داعش لا تمثل الإسلام”. في الواقع داعش تمثل الإسلام ولكنها ليست الشكل الحصري لتمثيله، فهناك عدد لا متناهي من أشكال التمثيل والتأويل الممكنة، وهذه الأشكال غير حاضرة بشكل مسبق ومتعالٍ في بنية “الإسلام” نفسه، بل تُنتج ويعاد إنتاجها دوماً وفقاً لفاعلية الأفراد والجماعات المختلفة. إلا أنه من الواضح أن معظم صيغ مؤسسات وخطابات الإسلام المعاصر تميل إلى التطرف والسلطوية والسعي للسيادة على المجال العام، ما يجعل التمثيل الداعشي شديد المشروعية والحيثية.

ما بعد "الدولة": الداعشية بوصفها ثقافةً فرعية
أبو بكر البغدادي

رغم هذا فإن أهمية بحوث أولفييه روا تكمن في كونه بيّن بوضوح وبشكل إحصائي عدم صحة الإدعاء بأن الداعشية هي ردة فعل على “التهميش” و”الاضطهاد” و”الماضي الكولنيالي” الذي يعاني منه المسلمون، فالدواعش جاؤوا من بيئات وأوساط وثقافات مختلفة، ومعظمهم لم يتعرضوا لاضطهاد أو تهميش.

للداعشية إذاً مستقبل كثقافة فرعية تملك نمطها الخاص من الراديكالية، وتؤيلها الإسلامي المشروع، وانتشارها بفضل وسائط متطورة بين فئات مختلفة لا يجمع بين أفرادها أي عامل عرقي أو جغرافي أو طبقي أو اجتماعي موحد. وهذا قد يكون الشكل الأساسي لاستمرارها في عصر “ما بعد الدولة”.

التعويل على الملل

لم تكن الثقافات الفرعية فيما مضى تنتهي نتيجة لعمل عسكري أو بوليسي، بل كان أنصارها عادة يغيرون نمطهم الثقافي بما يتوافق مع آخر الموضات الفكرية السائدة: فبعد أن كانت الوجودية مثلاً العامل المؤسس للثقافة الفرعية في أوربا، انتقل الكثير من أنصارها بنهاية الستينيات إلى الماوية بعد اندلاع الثورة الثقافية في الصين، ثم صاروا هبيين أو من المتحمسين لما بعد البنيوية في السبعينيات، واخيراً باتوا من أنصار البيئة و”أمنا الأرض”. لعل المثال الأشهر في أوروبا على هذه السيرورة هو وزير الخارجية الألماني الأسبق يوشكا فيشر، الذي تحول من مناضل يساري متحمس للقضية الفلسطينية إلى وزير من حزب الخضر، ينتمي إلى الحكومة التي حررت قوانين العمل لمصلحة رأس المال في ألمانيا.

هل يمكن التعويل إذاً على يوم تنتهي فيه موضة الداعشية من تلقاء نفسها وسط الشباب المعولم، وأن تنحلّ في سيرورة النزاعات الأهلية على المستوى المحلي؟

لقد ذكرنا أعلاه أن الداعشية راكمت الكثير على المستوى الرمزي والحركي في سنوات قليلة، وما يأتي بسرعة قد يذهب بسرعة أيضاً، خاصة أنها تستهلك بشدة رصيدها الرمزي في مغامراتها المختلفة على الصعيد العالمي، وما تبديه من وحشية غير مسبوقة قد يبدو مبهراً للبعض في الوهلة الأولى، إلا أن هذا الانبهار سرعان ما يتبدد مع الوقت. تصريحات الدواعش التائبين والعائدين تمدنا بالكثير مما يؤيد هذا.

لكن التعويل على الوقت والملل لوحده قد لا يكون كافياً في عالم مضطرب يخسر على الدوام، مع تقدم العولمة، أساسيات استقراره الثقافي والاجتماعي والطبقي. ربما كانت ظواهر مثل مجموعات الدواعش والنازيين الجدد والمتعصبين القوميين والعرقيين أعراضاً جانبية مرافقة بالضرورة لروح هذا العصر. في هذا السياق يطلب المسؤولون الغربيون من مواطنيهم دوماً التأقلم مع واقع الإرهاب اليومي الذي يضرب المدن، ويتحول المجال العام في المدن العالمية تدريجياً إلى مساحات مسوّرة ومراقبة أمنياً.

عالم مفتوح بلا حدود تنتشر الأسوار ضمنه في كل مكان: هذه هي العولمة باختصار. داعش تنتمي لهذا العالم، وقد تضمن كونها “باقية” مادام الشرط التاريخي الحالي مستمراً.

نبذة عن الكاتب

محمد سامي الكيال

كاتب سوري مقيم في برلين

Loading Facebook Comments ...