مذكرات ألعاب الفيديو.. أو يوم تعرضت للخورفة في الكاونتر سترايك

“كان بودي أن أخبرك، ولكن شفتي مختومتان”

وأنت تلعب دور المحقق في لعبة فيديو “الذئب الذي بيننا” The wolf among us  لن تتمكن من انتزاع اعترافات مفيدة من “ناريسا” الشاهدة في قضية قتل فتاتين من زميلاتها العاملات في الملهى الليلي بسبب لعنةٍ تحملها شريطة معقودة على عنقها تمنعها من الكلام. ناريسا قادمة في الأصل من حكاية “حورية البحر”، وقد وجدت طريقها إلى مدينة نيويورك لتعيش مع شخصيات أخرى هاربة من عالم الحكايات في تجمّع ذي أجواء ديستوبية يحمل اسم (فايبل تاون)، حيث اضطرت للعمل كراقصة في ملهى بائس حتى تتمكن من تدبير أمور معيشتها.

لعبة “الذئب الذي بيننا”، المبنية على سلسلة مغامرات الكوميكس: فايبلز fables، من تأليف بيل ويينغهام كانت آخر لعبة تسببت في حالة طوارئ في المنزل، ساعات متواصلة من الالتصاق بالشاشة وقبضة التحكم حتى تمكنت من إنهاء الفصول الخمسة للقصة بعد عدة أيام.

بين “الذئب الذي بيننا” و”أمير فارس” prince of Persia”، أولى الألعاب التي عرفتها، سيرة حياة كاملة.

الذئب الذي بيننا

أن تكون ممن اختبروا ألعاب الفيديو في عقد التسعينات، هذا يعني أنّك لاعبٌ مخضرم، عاصرت نظامي تشغيل الدوس DOS والويندوز معاً. قبل أن يدخل النظام الثاني إلى حياتنا ويسهّلها، كنا مضطرين لإجراء ما يشبه حوارات وأحاديث تمهيدية وحلّ ألغاز برمجية مرهقة بالنسبة لطفل في السادسة أو السابعة مع نظام دوس قبل نتمكن من تشغيل أي لعبة. كان من المألوف أيضاً في ذلك الوقت التعثّر بأجهزة ألعاب غرائبية كالأتاري وشرائطها التي كانت تَعِد بـ 1000 لعبة، لتجد أنّ الشريط يتضمن في الحقيقة 10 ألعاب مكررة، أشهرها لعبة الكونترا، السلف البيولوجي للعبة كول اوف ديوتي call of duty.

لائحة ألعاب تلك الفترة كانت تشبه لائحة شريط كاسيت أغاني الحب الأجنبية الشهير في التسعينات. فمقابل أغاني الشريط الثابتة: hello, lady, careless whisper، كانت نجوم لائحة ألعاب التسعينات التي ربيت عليها وعلمتني كلّ منها درساً حياتياً مهماً، وإلى جانب لعبة أمير فارس: لعبة دوم Doom، رفيقة كل طفل ذي مستقبل مقلق والتي كانت تتيح لك متعة إطلاق النار على مختلف الكائنات الممسوخة الموجودة في أرجاء اللعبة، وتعلمك أنّ النجاح مستحيل في الحياة دون الغشّ والاستعانة بكلمات السر. كذلك مجموعة الألعاب التي كانت تنتجها شركة سيرا sierra، والتي يتمّت آلاف اللاعبين من محبي ألعاب المغامرات حول العالم، بعد إفلاسها وإغلاقها لاحقاً عام  2009، من أشهر ألعاب مغامرات سيرا كانت لعبة king quest بأجزائها المختلفة، ولكن درّة تاج ألعاب الشركة بلا منازع كانت لعبة leisure suit Larry  الشهيرة المخصصة للكبار أصلاً ولكنّها كانت تجد طريقها دائماً إلى أيدي الأطفال مدمرة طفولتهم، بسبب جهل الآباء والأمهات بتطورات صناعة الترفيه، وظنّهم أنّ أي لعبة  تحمل رسوماً كرتونية إنما هي موجهة للأطفال. وهكذا تحطّمت براءة عشرات الأطفال ومنهم أنا على صخرة الواقع القاسي، وهم يحلّون ألغاز لعبة لاري التي كان هدفها إقناع أي امرأة بالخروج مع لاري، الذي لا يساعده مظهره كثيراً على جذب النساء لذلك عليه أن يجد ما يقدمه لهن كهدايا أو أن يحاول إقناعهنّ بجماله الداخلي غير الموجود أيضاً.

منذ بداية دخول الحاسوب إلى منازل الأسرة السورية، كانت عملية انتقاله بين غرف المنزل المختلفة تقابل أطواراً رمزية للسلطة التي تتحكم به، في البداية، غالباً ما يبدأ الرحلة في غرفة الأهل، مسيطرين عليه بشكل كامل، ومتحمسين لممارسة الرقابة الكاملة وهم يحدّقون بالشاشة طيلة وقت لعبك على نحوٍ بالغ الإزعاج. أذكر أنّ هذا الطور الأول ترافق مع لعبة “أمير فارس” التي تطلبت تحميل اللعبة من عدة أقراص مرنة (فلوبي ديسك) – بالمناسبة هذه الترجمة شنيعة للغاية – للعبة التي لم أتمكن من قضاء الوقت الكافي لسبر أغوارها بسبب الوقت المحدد للعب وهو نصف ساعة يومياً قبل أن يتم طردي من غرفة أبوي، لذلك لم تكن من بين الألعاب التي تعلقت بها رغم أنّها كانت الأولى.

فيما بعد، وبعد تراجع أهلي قليلاً عن المشاريع المجهولة التي كانو ينوون القيام بها على جهاز الحاسوب وأخمن أنّها كانت تتعلق بتعلم اللّغات أو جدولة مصاريف المنزل. بدأت مرحلة انهيار الحصون التي شيداها حول الجهاز. لينتقل الجهاز إلى غرفة الضيوف ولتخف القيود قليلاً ونتمكن من استثمار الجهاز للألعاب حصراً. كانت آخر مراحل هذا الانهيار هو تمكننا من تحطيم حاجز “كلمة السر” التي كانا قد وضعاها للجهاز، بعد أن اكتشفنا أن الكلمة كانت اسم أخي الأصغر وهو ما سبب لي انتكاسة نفسية في ذلك الوقت كشخص يعاني من متلازمة اضطهاد الولد الأوسط. استسلم أهلي بالتدريج بعد ذلك لقضائنا ساعات طويلة على الجهاز متأملين أنّ الألعاب قادرة على تحسين لغتنا الانجليزية على الأقل. تعرّضت سلطتنا الناشئة لموجة من التهديد عندما عثرتُ بالصدفة على لعبة لاري المذكورة أعلاه، وكاد أبواي يكتشفان مضمونها البذيء المتخفي خلف رسوماتها الملونة المبهجة.

Leisure suit Larry

تمكنا من الاستيلاء على دفة الحكم بشكل كامل، حين تحول جلوسنا الدائم في غرفة الضيوف إلى إزعاج متواصل واستطعنا انتزاع الحقّ في نقل الجهاز إلى الغرفة التي كنت أتقاسمها مع أخي الأصغر. وهنا بدأ فصل آخر، شكّل بداية  طور انهيار امبراطورية الألعاب بسبب شدة الرخاء كما هو معتاد في أطوار الأمم. كانت بداية النهاية هي دخول لعبة “السيمز” إلى حياتنا. لعبة السيمز تعتمد ظاهرياً على شعار محاكاة الواقع، إذ تقوم فيها ببناء منزل ومن ثم تصميم شخصيات تسكن المنزل وتبحث عن عمل وتطور مهاراتها في الطبخ والميكانيك والمنطق، أي نعم، والرياضة، لكنّ اللعبة فعلياً استخدمت على نطاق واسع عالمياً في مجال ترميم كافة عقد النقص لدى اللاعبين وقيامهم بأمور لا يحلمون بها في الواقع. على سبيل المثال كانت شخصيتي في اللعبة طبيبة ناجحة وطاهية موهوبة (أرجو عدم السخرية كنت مراهقة في ذلك الوقت، هذه أخف الكوراث في ذلك العمر). للأسف، مع تعلقنا بلعبة الواقع المتخيل هذه، انتهت مرحلة تفاعلنا مع الحياة الفعلية، بتنا نأكل وننام بالكاد وبدأت بشرتنا تتحول إلى اللون الأزرق تدريجياً بسبب نمط الحياة الجديد وقلة رؤية الشمس. لهذا السبب وبعد استنزاف اللعبة لآخر ذرات الحيوية التي أملكها، تلتها فترة من القطيعة بيني وبين الألعاب، لم تؤثر هذه القطيعة على نظرتي لنفسي كلاعبة أصيلة ولم أشعر بفداحة نتائجها حتى جاء اليوم الذي جرت فيه حادثة الكاونتر سترايك المشؤومة. في هذا اليوم، أحبّ أخي الأصغر أن يكرّم تاريخي المجيد في عالم الألعاب ويدعوني لأرافقه إلى مقهى الانترنت الذي بات يتردد عليه في فترة مراهقته ليمضي ساعات في لعب “كاونتر سترايك” و”دوتا” وغيرها، على نظام الشبكات مع أصدقائه الآخرين.

دخلت إلى الصالة المكتظة بالأولاد المراهقين ودخان السجائر ورائحة علب إكس إكس إل الكحولية شديدة السمّية، وأنا أرمق الأولاد بنظراتٍ متعالية وقد تقمّصت شخصية الملاكم المحترف المعتزل الذي يستعد لدخول منازلة ودية مع الأغرار في طقس احتفالي تكريمي لتاريخه، وجلست بعظمة على الجهاز الذي اختاره لي أخي مكتفية بالصمت الغامض ودون أن أتبادل كلمة واحدة مع الأولاد إمعاناً في محاولة ترهيبهم وترسيخ هيبتي.

شعرت ببعض التأفف في صفوف اللاعبين لوجودي الذي سيضطرون لاحترامه لخاطر أخي، الذي صاح في المحل بعد أن رتّب لي مكان الجلوس: “لا حدا يسبّ طالع نازل يا شباب، الحجّة الصغيرة هون”

أعجبني وقتها هذا التوصيف “الحجة الصغيرة” – لقب الحجّة، دون إضافات محفوظ لوالدتي بالطبع- إذ كان متماشياً مع هيبتي المفترضة، وقد اضطر اللاعبون فعلاً لكبت الشتائم التي كانت تتطاير برقة في أرجاء الصالة عادة أثناء اللعب. بعد أن عرّفني أخي على أساسيات اللعبة والأسلحة التي أستطيع استخدامها، دخلت اللعبة بثقة بالغة وأنا أخطط لجزر أولئك الأولاد دون شفقة. لألقنهم درساً لن ينسوه في أصول اللعب العريقة. مع مرور الوقت لاحظت أمراً غريباً هو أنني لا أتمكن من استخدام الأسلحة التي بحوزتي ولا أستطيع فعل شيء سوى النظر من حولي.

رغم الإحراج، ناديت أخي ليرى ما المشكلة ولم لا أستطيع اللعب. سمعت صوتاً من ورائي يقول له: “الحجة الصغيرة إلها ربع ساعة متخورفة”. هذه الجملة الغامضة ترجمها لي أخي بشكل ملطف أنّ شخصيتي قد تم ذبحها باستخدام السكين، وهو أتفه سلاح موجود في اللعبة، من قبل لاعب آخر منذ الدقائق الأولى لدخولنا إلى اللعبة. ودون أن أبعثر كرامتي أكثر خصوصاً وأنّ علامات الضيق والإحراج بدأت تظهر على أخي الذي يريد أن يعود للعبة، حملت معطفي الأسود بكبرياء وغادرت الصالة ناظرة باتجاه الأفق لئلا ألمح نظرات السخرية من أولئك الصبية، وأنا أعوّل على أخي أن يثأر لاسم العائلة من أولئك المستجدين الذين قاموا “بخورفتي”، أولئك الطائشين أبناء البارحة والانفتاح الاقتصادي، ممن لم يروا بأعينهم يوماً لعبة يتم تحميلها بالصبر والحنان من عدة أقراص فلوبي، ممن لم يضطروا لتشغيل الألعاب على نظام دوس DOS يوماً ولم يسمعوا بحواسيب “صخر”.

نبذة عن الكاتب

رشا عباس

كاتبة سورية

Loading Facebook Comments ...