هل جربت أن تتحاشى النظر إلى اسم مدينتك؟

تحاشي النظر إلى اسم مدينة حلب، لعنة حلت علي بعد سقوط المدينة في شهر ديسمبر من العام ‏الماضي.
منذ أسبوع كنت وصديقي في جولة تصوير في قرى مدينة تل رفعت التي تسيطر عليها وتحتلها، ‏على غير رغبة أهلها، وحدات حماية الشعب الكردية، وما أن لمحت عيناي لوحة طرقية لأسماء ‏بعض المدن والقرى والمسافة للوصول إليها، كان اسم حلب في أعلى اللوحة وسهم يشير إليها ‏ورقم 50 كيلو متر للوصول إلى حلب! ‏

هل جربت أن تتحاشى النظر إلى اسم مدينتك؟
كان اسم حلب في أعلى اللوحة وسهم يشير إليها ورقم 50 كيلو متر للوصول إلى حلب!‏ – عيسى الخضر

قلت لصديقي إنه علينا الاستعجال والانتهاء من تصوير التقرير والعودة إلى حلب، ومحاولةً مني ‏لتحفيزه على الاستعجال عرضت عليه في حال عدنا لحلب قبل غروب الشمس، سأعزمه على ‏وجبة غداء في مطاعم مدينة حريتان وبعدها نكمل الطريق تجاه حلب. ‏

نظر إلي صديقي وهو يجلس في الكرسي الأمامي من السيارة بطرف عينه متحدثاً معي بنبرة ‏عصبية: أنت وين عايش؟؟ عن أي حلب تتحدث؟؟؟ اعمل فورمات لمعلومات رأسك …. حلب ‏راحت!‏

علقت عبارة “حلب راحت” في رأسي، وهي ارتبطت في ذهني مع كل لوحة طرقية مكتوب عليها ‏حلب، أياً كانت اللوحة تشير إلى حلب باتجاه اليمين أو الجنوب، وسواء مع عدد كيلومترات قليلة ‏أو كثيرة باختلاف ابتعاد القرى المترامية في الريف الشمالي الشرقي للمحافظة. ‏

يكفي مشاهدة كلمة حلب لأستذكر عبارة صديقي: “حلب راحت”. ‏

فيما سبق كنت إذا ما سافرت خارج حلب وعدت، يغادرني تعب الطريق بمجرد قراءة اسم حلب مهما ‏كان عدد الكيلومترات المكتوبة تحت كلمة حلب، كنت إذا ما رأيت اسم المدينة أشعر بالأمان وأعدل ‏من جلستي في السيارة من باب الراحة. ‏

مع مرور الوقت فضلت تحاشي النظر إلى كلمة حلب على اللوحات الطرقية على أن يرتبط اسمها ‏مع العبارة الذي قالها صديقي لي: “حلب راحت”. ‏

الآن أتمرن على تحاشي النظر إلى اسم حلب فكلما أقترب راكباً السيارة من لوحة طرقية أيّاً كان ‏المكتوب عليها من أسماء المدن والقرى، أشغل نفسي بالبحث عن شيء ما لا أعرفه في حقيبتي ‏أو أقلّب في ملاحظات الهاتف عن لا شيء. ‏
أن أرى اسم حلب، يثقل على قلبي اسم مدينة لا أملك قدرة العودة إليها، ولليوم وبعد مرور عام ‏تقريباً على سقوط المدينة، لم أستطع إقناع نفسي بسقوطها، ولم أستطع إقناعها باستحالة ‏العودة.‏
مع اقتراب مرور عام من تاريخ سقوط حلب، لم أتمكن من مشاهدة صورة من أحياء حلب الحررة ‏سابقاً، وقد شملت صورة معلقة لبشار الأسد أو العلم الروسي أو رايات لواء الباقر الذي استلم ‏حيّي حي الجزماتي في المدينة.‏
‏ لليوم أتحاشى النظر في إعلام النظام السوري والإعلام الذي يناصره، لليوم لم أستطع نسيان ‏مشهد وقوف “شيطان حلب” شادي حلوة في الشارع الرئيسي من حي الجزماتي، الشارع الذي ‏التقطت فيه أول صورة.‏
كانت حلب حجرنا الثوري الذي نستند عليه بعد تعب المعارك وخبر سقوط المدن الواحدة تلو ‏الأخرى، كانت حلب المدينة التي ربتنا وعلمتنا معنى الصبر الثوري وتحمل مصاعب الحياة بانتظار ‏النصر وإن تأخر.‏

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...