يافع من حلبجة يُراسل محمد علوش

المقال المقروء: 


– – – –

الشيخ محمد مصطفى علوش المُحترم، السلام عليكم.

أنا يافعٌ كُردي من مدينة حلبجة الكُردية، من اقصى شمال شرق العراق. لم يسبق لي أن ألتقيت بك، لكني أحس بأن قواسم مشتركة ومصائر مركبة تجمعني بك؛ لذا أحببت أن أوجه لك هذه الرسالة، لتوضيح بعض التفاصيل التي أراني مستغرباً بشأنها.

لقد ولدت في ربيع عام 2003، أي بالضبط في الوقت الذي تم فيه القضاء على نِظام صدام حُسين البعثي. لم أكن شاهداً على زمن البعث، لكن ما حفظته ذاكرتي العميقة عن مرويات الأهل والجيران، دفعتني لأن أتخيل رُعب الحُكم البعثي. أظنك مُطابقاً لي في هذا المقام، فما قد سمعته أنا من مرويات، شهدته أنت في كُل تفاصيل حياتك. أنت الذي ولدت عام 1970، عام انقلاب حافظ الأسد الشهير، الذي حول سوريا إلى سجنٍ كبير، مُضرجة بدماء السوريين التي لا زالت تسيل.

من تفاصيل قراءتي لسيرتك الذاتية، عرفت أنك دخلت كلية الشريعة الإسلامية في جامعة دمشق عام 1988. في ذلك العام الذي كُنت قد بدأت فيه رحلة يفاعتك، كان أهلي وجيراني قد تعرضوا للجريمة الكيماوية البشعة. ذلك الهجوم التي أودى بحياة آلاف الأبرياء، وحطمت ذاكرة من بقي منهم على قيد الحياة، وتحولت لحدث تأسيسي أليم في ذاكرتي المريرة التي ورثتها عن أهلي.

لصدفة غريبة أيضاً، كُنت أنا في أوائل اليفاعة أيضاً حينما تعرض ذووك في غوطة دمشق للهجوم الكيماوي في صيف عام 2013. أذكر تفاصيل تضامني وألمي لما جرى لأهلك في غوطة دمشق، ومثلي كان أهلي وأغلب سُكان مدينة حلبجة. فكُل جريمة كيماوية تُذكرنا بمأساتنا التي كانت، والتي ما انتهت آثارها قط.

على جنبات الحدث الكيماوي، وطوال العهد البعثي، وتحت سُلطتي النِظامين الشموليين في كِلا البلدين، وضمن سياقات أحوال منطقتنا، حيث تنتشر الطائفية والكراهية والعُنف وإلغاء الآخرين، نتقاسم أنا وأنت أيها الشيخ المُحترم كُل شيء تقريباً. فكِلانا في النهاية ضحية هذا البؤس الأيديولوجي والسياسي المُضرج بالدماء.

على أننا في كُردستان قررنا قبل أيامٍ قليلة أن نخلق قطيعة مع الدولة العراقية وأنظمتها الحاكمة، وأن نستفتي الناس في شأن تقرير مصيرها، بطريقة سلمية وأخوية. لكني قرأت لك بعض الآراء في صحفتك على وسائل التواصل الاجتماعي، توحي وكأننا لسنا ضحايا مُشتركين لهذه الجريمة المفتوحة التي تطال كلينا مُنذ قُرابة نصف قرن.

تقول “لو تحالف الأكراد في العراق مع العرب السنة لقلبوا الموازين على عملاء إيران في العراق وكان في ذلك حفاظ على العراق بهويته العربية الإسلامية”. يدفعني هذا الكلام لأن أذكرك، أيها الشيخ الجليل، بأننا لا نطلب الاستقلال من العراق لكوننا سُنة، التي هي هويتنا الطائفية الدينية، بل نطلب الاستقلال لأننا مقموعون وغير متساويين في السيادة والسُلطة مع الحُكام الفعليين للعراق. أظننا مُطابقين في ذلك مع المُنتفضين السوريين الذين أنت أكبر مفاوضيهم. فالسوريون مثلنا، لم ينتفضوا كسُنة مُعترضين على نِظام علوي، بل كمقموعين يواجهون نِظاماً قمعياً.

ثم من قال لك أننا، ومعنا ملايين العراقيين الآخرين، نسعى لأن نُحافظ على هوية العراق العربية الإسلامية، والعراق ليس كذلك أساساً، حسب دستوره. وقد كانت المساعي لخلق هوية دينية وقومية للدولة العراقية مصدراً لمأساته الدائمة، بالضبط كما فعلت الهوية القومية العربية بالدولة السورية، وكما يحاول الإسلاميون أن يفعلوا مستقبلاً. ما نسعى إليه أيها الشيخ الجليل، هو أن نحافظ على الدولة العراقية المدنية الديموقراطية، ولأنها بالضبط لم تكن كذلك، فأننا نسعى لأن نستقل عن العراق.

تقول أيضاً: “لعبة استقلال كردستان لعبة خطيرة لها تداعياتها على المنطقة وعلى الثورة السورية كنت أظن أن أربيل أعقل من ذلك، لكنهم فضلوا اللعب بالنار”. أحلفك بالله، أي خطرٍ يُمكن أن يشكله استقلالنا التحرري على شعب جار يسعى أيضاً لأن يتحرر من نِظامه المُجرم، خلا أن استقلالنا هو خطر على اشكالٍ من الوعي الاستحواذي الشمولي الذي لأمثالك. وأي خطر نُشكله ونحن نستقبل عشرات الآلاف من الفارين السوريين من نير الاستبداد في بلادهم.

أما كوننا في كُردستان لم نكن عُقلاء مثلما كُنت تحسبنا، فأننا نخول الناشطة الحقوقية رزان زيتونة ورفاقها الحقوقيين الثلاث الآخرين، لأن يحكموا بيننا قريباً، بعد أن يفك الله أسرهم عما قريب. وفي هذا المقام أراني أسألك كقيادي في جيش الإسلام عن الاتهامات الواسعة التي تطالكم في جريمة الاختطاف البشعة هذه.

أخيراً أيها الشيخ الجليل، ما لك تُهدد الناس بالنار، تعال إلى كُردستان، لتشاهد شقائق النرجس في الجبال المُحيطة بمدينة حلبجة، ولتزور مقابر الضحايا، ولترى كم يشبهون أطفال الغوطة في كُل شيء.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...