نهفات الإلحاد في بلاد الأجداد

الحقيقة إنه في ببلادنا كتير ملحدين. ملحدين من كلّ الأشكال والأنواع، ينتمون إلى خلفيات وأيديولوجيات متباينة، وهذا يؤدي إلى أنّ الواحد يشوف كتير قصص ونهفات من اللي بيعملوها أو بيقولوها الملحدين. وعلى مبدأ “عيش كتير بتشوف كتير”، سوف أحكي كم قصة صارت قدامي مع بعض أصدقائي الملحدين.

هذه القصص لا تعني بأيّ شكل من الأشكال موافقتي على أفكارهم وأقوالهم. وأنا وبكلّ حق، ومن صماصيم قلبي، أحترم مقدسات كلّ الأديان والطوائف، ولا أتكلم بالعاطل عنهم حتى لو لم أكن مؤمنًا بتلك المقدسات. والقصد من ذكر هذه الحكايات والقصص هو الفكاهة والظرافة، فلا تشهير ولا سب ولا من يحزنون، لذا وجب التوضيح.

وأيضاً توضيح آخر، أو بالأحرى مقولة أخرى كانت رائجة بفترة من الفترات وأحب قولها للتذكير: “نحنا الشعب الوحيد يلي عندنا ملحدين من كلّ الطوائف”. وشكرًا.

– كان يا ما كان في قديم الزمان وسالف العصر والآوان، يا سيدي ملّا أنت، كنّا قاعدين ببيروت عم نتعشى وكنّا مجموعة شباب وصبايا، وإذ فجأة يتحول النقاش من مسخرة ونكات وسماجة إلى نقاش جدي عن الطوائف والمظلوميات والثقافات المختلفة والزواج من ديانات مختلفة. فجأة واحد من أصدقاءنا أصله من مدينة السويداء يقول وهو معصب: “أني ملحد وبآمنش بالله بس أني درزي. أني ملحد بس درزي وبقدرش أتجوز غير ملحدة درزية”. ومن وقتها ذهبت جملة “أني ملحد بس درزي” مثلًا بيننا.

– وفي زمان آخر كنّا في برلين في جلسة مشابهة لما حدث في بيروت بفرق اختلاف الأشخاص، كونه الشباب السوريين من محبّي لمّات الأكل والشرب والحشيش. المهم ما علينا. يكون النقاش سياسيًا جدًا وإذ بصديقنا الطرطوسي يذكر قولًا للإمام علي. بتمرق السيرة ولا على بالنا. بعد حوالي ساعة يكون النقاش دائرًا حول الأديان فيذكر الصديق نفسه قولًا آخر للإمام علي. بعد قليل يكون النقاش عن المنفى والغربة فإذ بصديقنا يقول: “قال الإمام علي….” وهنا بينط صديق آخر من نفس المدينة لكن من غير طائفة ويقول: “يلعن سماك يا رجل عكتر ما بتستشهد بأقواله لعلي حسستني إنك كنت تقعد معاه بنفس البار وتشربو من نفس الكاس وكان أبو جهل هو البارتيندر”.

– عندي صديقة عراقية شيوعية من الطراز الرفيع، وأهلها شيعة من مدينة كربلاء المقدسة عند الشيعة. بتكون عم تحكي معها بكل رواق وفيك تحكي اللي بدك ياه، من الله والمسيح والعدرا ويوم القيامة إلى محمد والأنبياء والصالحين، بس لما تحكي كلمة وحدة عن الحسين أو العباس أولاد علي بن أبي طالب. بتنط صديقتنا من أربعتها وبتقلك: “لا حبيبي هاي شنو ميصير، لازم نحترم مقدسات الناس….. ميصير تحكي عن العباس هيجي” فبتضحك وبتقلها” “لك حبيبتي باقي الأنبياء مو مقدسات الناس؟” وهي هون بتاخد وضعية الصامت الرنان.

– في زمن من الأزمان كنّا قاعدين بالشام، والله يلعنه اللي حرمنا الشام. المهم من ضمن القاعدين صديقنا من التل. وهذا الصديق هو كتلة من الكفر والإلحاد… يعني لو عاش في زمن النبي محمد كان بمرتبة أبو لهب يعني… المهم كنا قاعدين، وصديقنا المسيحي بيشيل القرآن من المكتبة وبيتصفحه من باب الفضول يعني. فيعصب صديقنا التلاوي ويقول: “لازم تكون طاهر مشان تشيل القرآن”. فذكرناه أنه ملحد يعني ولازم ما يهمه هالشي، قام بيقلنا بكل جدية: “أي أنا ملحد وما بآمن بالله بس القرآن شي تاني يا أخي….”. ويعم الصمت.

***

بالطبع هذه نهفات لا تذكر بالمقارنة مع مجموعات الملحدين السوريين في موقع التواصل الافتراضي فيسبوك. حتى إنّك تكاد تشعر أحيانًا بأنّ الحديث هناك يدور فقط حول كره الأديان. يعني تكاد تحس إنّه الشب صاير ملحد بس على مبدأ  جكارة بالطهارة بدي شخ باللباس.

طبعًا ثمة ملحدين صارعين سمانا في الحديث عن إنّه الإسلام ما بيحترم المرأة بس هو ما بيوفر بنت تمرق من قدامه عالفيسبوك وما بيتحرش فيها، لفظيًا عالأقل. وبيكون نفسه ها… وحيات حياة نفسه…  بيكون حكيه كلّه جنسي وما بيحترم المرأة ولا بربع.

وهناك الملحد الذي لا يحتفل بأعياد المسلمين لأنّ مبدأه يحتم عليه عدم الاحتفال بالأعياد الدينية… بس هو نفسه ها بيكون أول واحد سالخنا بوست “هابي كريسميس” عالفيسبوك.

وفي عندك، يا عمي الشيخ، الملحد المسيحي اللي هو ملحد مع الله الإسلام ومؤمن مع الله المسيحية. وفي عندك الملحد اللي ما بياكل لحم خنزير. طبعًا هو ما بيقلك لأنه حرام بس بيقعد بيشرحلك أضرار لحم الخنزير اللي مدري من وين جايب معلوماته، غالبًا من صفحة ثقف نفسك أو من صفحة معلومات تانية عالفيسبوك.

***

بوضعنا المزاح جانبًا نبدأ الحديث الجاد هنا. في الحقيقة لدي اعتراض حقيقي وعميق على التجمعات الإلحادية اللي من نوع مجموعات الفيسبوك الإلحاديّة السوريّة. بعض أفراد هذه التجمعات يتعاملون مع الأفكار التي لا يؤمنون بها بفوقية، ودائماً ما يكونون متأكدين من آرائهم بنسبة كبيرة. مثلهم مثل معظم شيوعي سوريا، هؤلاء الذين يظنون بأنّهم أذكى من باقي أفراد الشعب وأنّ عليهم قيادة هذا الشعب المسكين.

بالنسبة إليّ الوصول إلى الإلحاد بيصير عن طريق التفكير مو ردة فعل على أفعال دينية، هاد اسمه مرتد…. ها ها ها. الملحد لازم يكون مشغل مخه لحتى وصل لهالنقطة ولازم يكون عنده شك بكل شي… فالملحد أفكاره مانها ثابتة وقابلة للتغيير. يعني ما في شي ثابت كله ممكن يتغير مع الوقت. الشك والتفكير هني اللي بيوصلو للإلحاد بالآخر. والإلحاد مانه دين.

بعدين عندي اعتراض على أسماء هي المجموعات أيضاً. شو يعني الملحدون السوريون؟ يعني اللي بيجمع الناس هون إنه كلهم ملحدين صح؟ طيب مين قال إنه كلّ الملحدين بينجمعو بنفس المكان؟ ما يمكن نص هالمجموعة ما رح تقبل اللي بفكر فيه النص التاني والعكس بالعكس. وغير هيك الاسم عنصري.. متل كأنه المؤمنون السوريون.

وما الذي تعنيه كلمة السوريين؟ مين قال اللي بيجمع الناس إنهم سوريين وبس. كمان الاسم عنصري على الصعيد الوطني هون. وبعدين احتكار الاسم مع ال التعريف كمان عنصري.. إنه مافي ملحدون سوريون غير بمجموعتكم يا بعدي.

على كل حال، أظن بأنّ هذه المجموعات تشبه الغيتو الذي أقامه النازيين لليهود في أوروبا أو ما قام به الإسرائيليون بحق الفلسطينيين لكن الفرق هنا أنّ هذا الغيتو طوعي. يلا تعو بنجمع حالنا لحالنا وما بنتعامل غير بالمناسبات مع الآخرين.

اللي بدي قوله إنه العالم كتير كبير وفيه سبع مليارات شخص وفي ثقافات وأفكار كتير كتير بس تجمعات متل هيك بتساهم بمنع التعرف على هاد العالم وبتخلينا نعيش بإطار كتير ضيق بيشبه اللي عيشنا فيه حزب البعث.  وهاد سبب غير مباشر من أسباب كآبتنا وميولنا السوداوية وكرهنا للحياة.

نبذة عن الكاتب

دلير يوسف

‏ كاتب ومخرج من سورية، مقيم حالياً في العاصمة الألمانية برلين

Loading Facebook Comments ...