خيمة ثقافية في “دابق” لمحاربة شعارات داعش التي تملأ الجدران

اعتادت عين المواطن السوري رؤية عبارات مكتوبة على جدران المباني الحكومية أو الطرقات بعيد سيطرة جهة من الجهات العسكرية بسورية، ومن ثم طمسها بعدة طرق بحسب تغير الجهة المسيطرة على هذه المنطقة أو تلك.

 لكن بخلاف ما اعتادت عين المواطن السوري، تركت الجهة المسيطرة على قرية دابق في ريف حلب الشمالي العبارات المكتوبة على الجدران، مفضلة أن تحارب مضمون هذه العبارات عبر إقامة نقاط ثقافية بالقرب منها، نقاط تستضيف ندوات ثقافية لكي يقتنع قارئ العبارة ويقارنها دون طمس عبارة وكتابة أخرى.

كان تنظيم “الدولة الإسلامية”- داعش سيطر على قرية دابق مطلع عام 2014، بعد معارك بينه وبين فصائل الجيش السوري الحر التابع للمعارضة السورية انتهت ببسط التنظيم سيطرته على القرية وتجنيدها إعلامياً لصالحه لما لاسمها من بعد ديني رمزي. فدابق ورد ذكرها في صحيح مسلم ضمن حديث نبوي تناول معركة فاصلة بين المسلمين وأعدائهم في ذلك الموقع تحصل مع حلول “آخر الزمان”.

خيمة ثقافية في "دابق" لمحاربة شعارات داعش التي تملأ الجدران
“ثمة من يخبرنا أن التنظيم أفضل من غيره، لنناقشه بمعايير اختيار من هو الأفضل ودرجاته. لذلك أبقينا على بعض من عباراته على الجدران لنترك للمدني حرية المقارنة”

ظل التنظيم في المنطقة قرابة عامين ونصف، وانسحب منها بعد بدء الجيش التركي وفصائل الجيش السوري الحر غرفة عمليات عسكرية تحت اسم درع الفرات، بدأت بالسيطرة على مدينة جرابلس بريف حلب الشرقي وانتهت بطرد عناصر تنظيم الدولة من مدينة الباب ومحيطها في الريف ذاته، ومن ضمنه قرية دابق.

ما بعد التنظيم

اندحرت قوى التنظيم وبقيت آثاره ومعالمه على جدران القرى والمدن التي أخذت طابع اللون الأسود، وبقيت على الجدران عبارات دينية وظفها التنظيم في خدمة سياسته، وبقي تأثير تنظيم الدولة الفكري ورواسب مفاهيمه وأفكاره عن الحياة وعن الزراعة وعن الأدب والفن، مما دفع مجموعة من شباب قرية دابق إلى تشييد مركز ثقافي من خيمة متوسطة الحجم ومقوسة الشكل إلى حين بناء مركز ثقافي أكبر وأوسع، ولكن الحاجة الإسعافية في محاربة “ظاهرة التطرف” لا تسمح بالانتظار، بحسب مصعب العمر ناشط إعلامي بالقرية.

بعد طرد التنظيم من القرية وعودة النازحين إليها، قرر محمد أنس حمدو (44 عام)، بالتعاون مع مجموعة من شباب القرية، بناء مركز ثقافي يحارب الفكر المتطرف ويحاول محق ما تركه التنظيم بعقول سكانها.

يقول حمدو الذي يعمل كمدير لمدرسة في دابق “في ظل سيطرة تنظيم الدولة داعش على القرية ومدن أخرى كان قد شوه مفهوم الحياة ومصطلحاتها كفرضه عدم زراعة الملوخية لما  فيها من مواد مسكرة بحسب شرعيي التنظيم ورسم رجال سود على الجدران وتحريم لبس ألوان أخرى عدا اللون الأسود”.

ويضيف “كانت فكرة بناء مركز ثقافي على عجل أمراً ملحاً وضرورياً قبل أي خطوة أخرى، فبناء البنى التحتية قد يهدم بلحظات، مالم يعلم المواطن السوري أهميتها وخاصة بعد ترسيخ التنظيم فكرة أن كل ما يخص النظام السوري بمفهوم مؤسسات البلد هو شيء مباح للجميع وليس له أي ملكية عامة فمصدر الأموال حرام بحسب شرعييه، فلذلك قمنا ببناء أشبه بنقطة ثقافية إسعافيه، قابلة للتوسع حتى حين ترميم القرية”.

يشير مدير المدرسة إلى نشاط الخيمة الثقافية الذي بدؤوا بتنظيمه، موضحاً أن كل ما يحرك العقل بالتفكير يصب بعملية محاربة التطرف.

يتابع حمدو “لسنا ممن يباشر المواطن بمصطلحات رنانة تخبره أن التنظيم فاشل إدارياً ودينياً فقد يصدقنا كوننا الجهة المسيطرة على القرية ويهز برأسه خوفاً من نقاشنا فقد صُدِعت رؤوس المواطنين من الخطابات على زمان الأسد وداعش، ولكن عندما نقدم مجموعة من المحاضرات بكافة مجالات الحياة ونترك له حرية المقارنة في عقله الباطن ينتج عنه من على الصواب ومن على الخطأ”.

وعن تجاربهم في فتح الحوارات المفتوحة مع المدنيين، يقول حمدو: “ثمة من يخبرنا أن التنظيم أفضل من غيره، لنناقشه بمعايير اختيار من هو الأفضل ودرجاته. لذلك أبقينا على بعض من عباراته على الجدران لنترك للمدني حرية المقارنة”.

مستفيدون من كل مكان

مصعب عمر، ناشط إعلامي هُجِّر من القرية إبان بسط تنظيم “الدولة الإسلامية” سيطرته عليها نظراً لمواقفه المعادية لفكر التنظيم، وعاد إليها بعد سيطرة فصائل “درع الفرات” على أجزاء واسعة من أرياف حلب الشرقية، لكنه فوجئ أن كثيرين ممن بقوا في القرية قد تغيروا.

يقول عمر البالغ من العمر ستة وعشرين عاماً “يبدأ التحرير بعد طرد التنظيم، لكن تواجهنا مهام كثيرة منها إعادة الناس لسلوكهم الطبيعي فقد لا يشعر المدني بالتغيير الذي حل به ومن ردود أفعالهم تجاه بعض المواقف”، ويوضح مدى عمق التغيير الذي حصل في ظل حكم تنظيم الدولة الذي طال أمده “من بقي في القرية ظل طيلة عامين يخشى صاروخاً يبيد القرية عن بكرة أبيها بسبب تضخيم التنظيم للقرية إعلامياً، فحالة من الترقب والخوف يعيشها الإنسان على مدى عامين كفيلة بتغييره بشكل كلي وكفيلة أيضاً بضرورة إعادة تأهيله من خلال المراكز الثقافية”.

يواصل عمر حديثه عن القرية التي هجرها وعاد إليها وعن المناطق المحررة من سلطة التنظيم في سورية “حاجتنا لإنشاء مراكز الثقافية كحاجتنا لبناء المشافي في هذه المرحلة”.

خيمة ثقافية في "دابق" لمحاربة شعارات داعش التي تملأ الجدران
ندوة عن النحل والعسل في الخيمة الثقافية

تابع الإعلامي الشاب في أحد هذه المراكز الثقافية سلسلة من المحاضرات عن القانون الدولي وما يجب فعله وما لا يجب فعله أثناء الحروب، لافتاً إلى أن “هذا ما غفل عنه الكثيرون وخاصة مقاتلو الجيش الحر في معاركهم”.

لم تقتصر خدمات الخيمة الثقافية على سكان قرية دابق، بل امتدت لتستهدف سكان القرى القريبة والبعيدة عنها بريفي حلب الشمالي والشرقي، مثل صوران واخترين ودوبيق وأرشاف، لتكون الخيمة مركز تجمع بشري ويصدر منها قرارات تصب بمصلحة المنطقة ككل.

أبو محمد الأختريني (50 عاماً) يعمل في مجال بيع العسل ويملك مناحل في مزرعته، جاء إلى الخيمة الثقافية لكي يحضر محاضرة عن أهمية النحل والعسل وكيفية الموازنة المالية في المنطقة. يقول “تمت دعوتي لمحاضرة عن أهمية العسل والحفاظ عليه في المنطقة مع مجموعة من نحّالي القرى، وغالبية النحالين لبوا الدعوة وتحدثوا عن أشياء أخرى تخص سلامة المنطقة”، مضيفاً أنه في هذه المحاضرة جرى الحديث عن الفرق “بين مؤسسات الدولة من مبان حكومية وحاويات وطرق وبين نظام الأسد وجهازه الأمني الذي قتل وشرد وصنع داعش التي احتلت المنطقة عوضاً عنه”.

وقاية بالثقافة أفضل من علاج للأفكار المتطرفة

خيمة ثقافية في "دابق" لمحاربة شعارات داعش التي تملأ الجدران
مجلة دابق التي كان يصدرها داعش

ظل اسم دابق يتكرر في الأوساط الدينية قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011، ومع بروز تنظيم “الدولة الإسلامية”- داعش وتجنيدها للمقاتلين وخاصة بعد السيطرة على قرية دابق، باشر التنظيم بإصدار مجلة تحمل اسم “دابق” في شهر تموز- يوليو من عام 2014. إلا أن الماكينة الإعلامية للتنظيم توقفت عن إصدار المجلة شبه الدورية بمجرد طرد عناصره من القرية.

 

لكن هل قدم التنظيم خدمات للقرية تقابل ما استفاده هو من اسم القرية وأبعاده الرمزية والإعلامية؟

يجاوب على هذا السؤال بلال أحمد الحمدو، عامل النظافة الموشك على بلوغ الثلاثين، والذي بقي في القرية خلال سيطرة التنظيم عليها، ويوضح “كنا نعمل على حمل الجثث أكثر من عملنا في حمل القمامة للمكبات، فكانت مهمتنا نقل جثث لا نعرف هويتها من مكان إلى مكان وقد تلاحظ أن التنظيم قدم خدماته لبعض المدن وترك أخرى ومن ضمنها قرية دابق فطيلة فترة تواجده لم يرمم شارع ولا يعبد طريق ولا بنى مسجداً”.

تقهقر تنظيم الدولة منذ بداية العام الحالي سواء في سورية أو العراق أو ليبيا، يترك السكان أمام تحدي محاربة مخلفات التنظيم الفكرية، لذا يأتي إنشاء مركز ثقافي بقرية ما كخطوة وقائية تمنع انتشار أفكاره مرة أخرى.

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...