الحنين إلى هوندايات ركن الدين

“رضاكي يا أمي”، “ربي ارزقهم ضعف ما يتمنون لي”، “ميلي عليا ميلي”، “يا ناظرلي نظرة حسد.. شكيتك لواحد أحد”، “جرح تاني” وعبارات أخرى مأخوذة من مسلسلات أو من أغنيات هاني شاكر وجورج وسوف مرسومة على هوندايات ركن الدين بألوان رخيصة وخطوط مختلفة، معظمها سيء التصميم.

ركن الدين هو حيّ من أحياء دمشق الجبليّة والهوندايات -مفردها هونداية- هي سيارة بيضاء صغيرة غريبة الشكل تتسع لراكبين اثنين من الأمام ومن الخلف مفتوحة تتسع لركّاب كُثر أو تستخدم لنقل بضائع مختلفة وقد يتعلق بها الأطفال والشباب صغار السن نزولًا وصعودًا أثناء سيرها. في السنوات الأخيرة ظهرت الهوندايات المغلقة من الخلف والتي اختصت بنقل الركاب فقط، كما حرمت الأطفال من متعة القفز من وإلى السيارة.

سيارة بيضاء صغيرة غريبة الشكل تتسع لراكبين اثنين من الأمام ومن الخلف مفتوحة تتسع لركّاب كُثر أو تستخدم لنقل بضائع مختلفة وقد يتعلق بها الأطفال والشباب صغار السن

هذه السيارة المتخصصة في مناطق دمشق الجبليّة وفي بعض البلدات والمدن الريفيّة تنتقل في حارات السكن العشوائي بسلاسة لا تقدر عليها أنواع السيارات الأخرى، سائقوها محترفون رغم أنّهم لا يستطيعون القيادة في الطرق المرسومة والمخطَطة بعناية. هم فوضويون دون أن يعرفوا ما هي الأناركيّة وثائرون على أنفسهم وعلى مجتمعاتهم دون أن يقرؤوا لمنظري الثورات.

سائقو هذه السيارات هم الفاشلون في المنطقة في نظر الكثيرين من أبناء هذه الأحياء، خاصة في نظر المتعلمين منهم. والسبب، كما أعتقد، يعود إلى أنّ معظم السائقين هم من غير المتعلمين كما أنّهم ليسوا من أصحاب المهن اليدوية أو أصحاب المحال التجاريّة، فوجهة النظر فيهم، أقل ما يقال عنها إنّها نظرة متعجرفة متعالية.

كما أنّهم من أكثر السائقين في دمشق تعرضاً للمخالفات المروريّة والملاحقات الأمنيّة، فهم سكان عشوائيات لا ظهر لهم ولا قوة إلا قوة الذراع التي لا تنفع في حالات كهذه

أعرف بعض السائقين ممن حاولوا أن يعملوا في الكثير من المهن لكنهم فشلوا وكانت الهونداية هي الملجأ الأخير لهم قبل أن يُجَنّوا أو ينفجروا، نفسياً ومجتمعياً. هم ضحايا النظام المجتمعي السوري الذي أنتجَهم ومن ثم أهملهم. هم الوجه الحقيقي للمجتمع البائس المحطم. هم نتاج نظام التعليم المتخلف.

أذكر فيما أذكر من ذكريات البلاد، البلاد البعيدة عني كبعد الشمس عن سفينة غارقة في المحيط الهندي، أنّ سائقي الهوندايات كانوا من أكفأ الناس، يساعدون من يحتاج مساعدة في حمل الأغراض، يعينون العجائز في الوصول إلى بيوتهن، لا يتقاضون أجرة من الفقراء، يضربون المتحرشين بالبنات، رغم أنّ بعضهم قد يتحرش لفظيًا أو عن طريق النظر بفتيات المدارس، يساعدون في تجهيز أحد المحال الصغيرة التي قرر أحد أبناء الحارة فتحها، يساهمون في فضّ الخلافات والمشاجرات العرضيّة التي كثيراً ما تحدث في هذه الحارات الخراب.

من الناحية الأخرى، كان هؤلاء من أكثر الناس الذين “يخيفون” من هم ليسوا من سكان الحارة بسبب سمعتهم السيئة، كما أنّهم من أكثر السائقين في دمشق تعرضاً للمخالفات المروريّة والملاحقات الأمنيّة، فهم سكان عشوائيات لا ظهر لهم ولا قوة إلا قوة الذراع التي لا تنفع في حالات كهذه.

بعض هذه العبارات مشتركة بينهم وبين سائقي الشاحنات والتكاسي والسرافيس

على كلّ حال، كان هؤلاء السائقون، الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والستين سنة، يكتبون عبارات مختلفة على سياراتهم بغرض تزيينها، بعض هذه العبارات مشتركة بينهم وبين سائقي الشاحنات والتكاسي والسرافيس، وبعضها الآخر خاص بهم. كانوا يرفعون صوت الأغاني وهم يقودون عرباتهم أو حين ينتظرون أحد الركاب في واحد من مواقفهم. ومواقفهم الرئيسيّة في حيّ ركن الدين، الحيّ الذي انحدر منه، هي موقفٌ قرب الفرن الرئيسي وآخرٌ بجانب سوق الخضار وثالثٌ عند مدخل الحيّ المؤدي إلى مقبرة الشيخ خالد وموقف رابع في الطريق إلى جبل الأربعين وخامسٌ في مدخل سوق الشيخ محي الدين.

جملة اعتراضيّة: لا أعرف لماذا أكتب عن الهوندايات وعن ركن الدين… ربما أنا اجتر ذاكرتي كي أتخلص منها.

أذكر أنّ البعض كان يصفهم بقليلي الأدب وآخرون ينعتونهم بالفاشلين، لكن الصفة التي أحب أن أطلقها عليهم هي المجانين. مجانين هم لكن ليسوا كالمجانين الذين نعرفهم. كانوا مجانين بطريقة حياتهم ومجانين في استهتارهم ومجانين في طريقة تعبيرهم عن شخصياتهم المظلومة. كانوا مجانين في طريقة تزيينِهم لهونداياتهم ومجانين في العبارات التي يكتبونها على جدران هذه الهوندايات.

قد تكون الجدران هي دفاتر المجانين في بعض المدن لكن في حارتنا كانت الهوندايات هي مستودع أسرارنا وخزان ذكرياتنا ودفاتر مجانيننا. ولهذه الهوندايات أحنُّ.

نبذة عن الكاتب

دلير يوسف

‏ كاتب ومخرج من سورية، مقيم حالياً في العاصمة الألمانية برلين

Loading Facebook Comments ...