عمرو دياب، بعضٌ من سيرة

إلى ماهر كوسا

ربما لم يكن عمرو دياب نجم الساحة الغنائية العربية الأول في تسعينات القرن الماضي، فالساحة هذه تنافَسَ على أعلى نقاط قمتها كاظم الساهر وجورج وسوف، وكان الأول قيصراً والثاني سلطانَ طرب، أما عمرو دياب فلم يكن لقبه شائعاً حينها، وحتى حين شاع لقبه في الألفية الجديدة، بدا هذا اللقب غريباً وغير ذي وقع، بل ويدل على ضرب من اعتدال: الهضبة! فلا هو منبسط كحقل ولا شاهق كقمة أو جبل.

لكن عمرو دياب، والحق يقال، لم يكن فيه من الاعتدال الكثير، ولطالما سعى النجم المصري لأن يسبق عصره وزمنه العربي ولطالما في ذلك أجاد.

 بعد ثلاث سنوات على ألبومه الأول الصادر عام 1983 (يا طريق)، سيدأب عمرو دياب على إصدار ألبوم سنوي، وستدأب أغنية واحدة على الأقل من كل ألبوم على أن تخبط خبطتها. هكذا كانت “هلا هلا” أغنيته لعام 1986، تلاها ألبوم “خالصين” بعد عام واحد، ومن ثم “ميال” في العام الذي يلي، وصولاً إلى “شوّقنا” عام 1989.

بيد أن “متخافيش” عام 1990 كانت علامة فارقة في مسيرة الشاب الموشك على بلوغ الثلاثين حينها، فالأغنية التي باتت ترنيمة على ألسن شبان ومراهقين وأطفال (كنت في السادسة من عمري حينما لم يتوقف ابن خالي علي، وهو في مثل سنّي، عن أداء متخافيش أمام جمعات الأهل والأقارب) رافقها فيديو كليب بثته محطات التلفزة العربية -الرسمية في معظمها ذلك الوقت- وستصبح الكليبات مساحة ريادية مفضلة لدياب قادرة على الإبهار البصري وجذب المعجبين بطريقة تفوّق فيها على مجايليه كافة.

والحال أنْ ما كان شائعاً تلفزيونياً في العالم العربي خلال أواخر الثمانينات أن نرى مطرباً يقف جامداً، تدور الكاميرا حوله في ستوديو فقير الديكور، فيما تتوزع في الخلفية راقصات (هن أنفسهن دائماً على الأغلب أو هكذا يخيل للمشاهد) يؤدين رقصة تشابهت حركاتها بين كليب وآخر.

 ومع بداية عقد التسعينيات بدأ غزو الأغنية المصورة للمشهد الفني العربي. وفي ذلك بدا عمرو دياب ينتمي لعالم آخر. كان وسيماً أسمر البشرة بملامح عربية مصرية، ما جعل التماهي معه متاحاً وممكناً، وكانت تقليعات أزيائه وإطلالاته تجعل تماهيه هو مع نجوم غربيين جائزاً ومعقولاً. فكان تجسيداً بشكل أو بآخر للقدرة على بلوغ الغرب المشتهى، الهوليوودي منه ربما، في سنوات تحدث فيها حازم صاغية عن “وداع العروبة” فيما كانت الكتلة الشرقية تواصل تفككها بعد انهيار جدار برلين، و”عملية السلام” العربية الإسرائيلية في أعوام اندفاعها الأولى، أما سورية فزمنها ذاك توقف عند اتحاد شبيبة الثورة ومنظمة طلائع البعث ورئيسها ذي المنظر الباعث على الكآبة.

وإن كان عمرو دياب أكثر محافظةً من أن يتحول إلى مايكل جاكسون عربي أو أن يبلغ بتقليعاته ما بلغه ديفيد بوي مثلاً، فإنه سعى للتجديد الدائم وتقديم المختلف (في أدائه لأغنية “خالصين” على المسرح في نهاية الثمانينات بدا سعيه هذا بالغ الخراقة!)، بدءاً بإدخال آلات موسيقية لم تكن رائجة في المنطقة، أبرزها الغيتار في أغنية “ويلوموني” (1994). وقبل الأغنية وبعدها، قدم ابن محافظة الشرقية سلسلة من أغنيات حققت كل منها نجاحاً هائلاً: “حبيبي”، “ضحكة عيون حبيبي”، “الماضي”، “يا عمرنا”، “كان عندك حق”، “راجعين”.

وهنا وصل دياب إلى نقطة فاصلة أخرى في مشواره: “نور العين” (1996). والحال أنّ الأغنية هذه سرّعت في صعود صاحب “متخافيش” إلى نقطة أعلى في هرم النجومية، فهي إن حققت مبيعات ضربت أرقاماً قياسية وقتها، بات كليبها في مقدمة ما تعرضه برامج الأغاني والفواصل الموسيقية على الشاشات، وهو لم يكتف بعارضة واحدة للظهور إلى جانبه، فضم الفيديو كليب عدداً كبيراً من نجمات الإعلانات التجارية اللبنانيات، في مقدمتهن نيكول بردويل (وسيصبح استقطاب عارضات جميلات مساحة أخرى لتفرد دياب في مناسبات لاحقة). وتحولت ضربات الدف في انطلاقة الأغنية أشبه بعلامة صوتية خاصة، وبات النجم المصري أقرب إلى آيدول الشبان والمراهقين العرب والسوريين.

استمر “الهضبة” بعدها في صعوده الحثيث، فقدم ألبومي “عودوني” و”قمرين”، الذين لم يكونا أقلّ تميّزاً من سابقهما عامي 1998 و1999 على التوالي، وتفرّد دياب في ثانيهما بتقديم أغنيتين مشتركتين (ديو)، واحدة مع الشاب خالد والأخرى مع اليونانية أنجيلا، وتزامن ذلك مع بدء ظهوره في إعلانات بيبسي، المشروب الغازي الذي كان ما يزال رمزاً غربياً مشتهى في سورية الأسدية، وسيتوافر في الأسواق السورية بعد فترة وجيزة من تولي الأسد الابن الرئاسة خلفاً لوالده ليصبح توافره، إلى جانب سلع أخرى، رمزاً لانفتاح اقتصادي هدف إلى مراكمة الثروة في أيدي العائلة الحاكمة وبطانتها.

بلغ عمرو دياب ذروة نجاحه الفني مع “تملي معاك” في نهاية العقد (2000)، عام تولي بشار الأسد للسلطة في سورية، العام الذي عرف أملاً كاذباً برئيس شاب يغير نهج والده الأمني، ونجحت أغاني الألبوم ذات الإيقاع السريع (العالم الله، سنين) كما نجحت تلك “الرومانسية” أو “الهادئة” بينها (بعترف، صعبان عليّا).

 بيد أن الألفية الجديدة حملت معها للعالم العربي، ولسورية ضمناً، انتشاراً أوسع للفضائيات العربية، وصحون البث، وأجهزة عرض رقمية أرخص ثمناً، وتكاثراً مذهلاً في أعداد المطربين والمطربات، ولاحقاً برامج مسابقات متزايدة تبحث عن نجوم ونجمات غناء. كل هذا كان يعني تنافساً أشد بين النجوم، وخيارات أوسع للمتلقين. وإن كان عمرو دياب قد حافظ على نجوميته رغم كل هذا، إلا أنّ آيدول النصف الثاني من التسعينات لم يعد كذلك رويداً رويداً، فبعد ألبوم “أكتر واحد”، بدأت فترة طويلة من التذبذب في مشوار نجم الشباب الذي لم يعد شاباً، على الرغم من إشراقات هنا أو هناك.

وفي موقع آخر، أن تكون نجماً للشبيبة العربية لا يعني بالضرورة أن تتماهى مع تطلعات هذه الشبيبة وطموحاتها السياسية والاقتصادية ورغباتها التحررية. كان النجم المصري غنّى للقدس بعيد الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ضمن موجة تضامن مع الفلسطينيين دفعت بكثير من الفنانين لأداء أغنيات مماثلة لم يكن لها أن تغضب أحداً. أما الغضب فأثاره دياب لاحقاً عندما صمت خلال 18 يوماً، هي الفترة الفاصلة ما بين 25 يناير موعد اندلاع الثورة المصرية لغاية الحادي عشر من فبراير تاريخ الإعلان عن تنحي الرئيس حسني مبارك. الرئيس الذي كان دياب قدم له أغنية “واحد مننا” قبل ثورة الشباب المصري عليه بسنوات، ولم تشفع له أغنية “مصر قالت” التي قدمها لاحقاً للاحتفاء بثورة يناير، بل كان واضحاً أنها لا تتعدى أن تكون محاولة للتكفير عن الماضي أو ركوباً سريعاً للموجة الثورية.

واليوم، وبعدما كان دياب يحاول أن يسبق الزمن في عهد مضى، بات يطمح لإيقاف عجلة هذا الزمن، فابن السادسة والخمسين ظهر على غلاف ألبومه الأخير (معدى الناس) بقميص شبابي أزراره العليا مفتوحة بما يُظهر ما تيسر من عضلات مفتولة، لكن العضلات والأزياء والإيقاع السريع وغيرها لم تعد كافية لجذب أجيال ينفتح أمامها عالم بأسره.

نبذة عن الكاتب

صحافي ومدون سوري، خريج كلية الآداب- قسم اللغة الإنجليزية في جامعة دمشق وكلية الإعلام- قسم التعليم المفتوح في جامعة دمشق

Loading Facebook Comments ...