عم تسمعوا:
الثلاثاء 26

موسيقى ومتفرقات

الإثنين, 17 أبريل, 2017 عالـ 11:35 م - الأربعاء, 18 أبريل, 2018 عالـ 1:30 ص
حمص 2017: انحسار الطائفية وامتعاض الموالين من الإيرانيين

حمص 2017: انحسار الطائفية وامتعاض الموالين من الإيرانيين

تراجع حضور مدينة حمص مؤخراً على الخريطة السياسية وغابت بشكل كبير عن الإعلام الموالي والمعارض على حد سواء. حمص التي كانت تتصدر نشرات الأخبار العالمية في سنوات الثورة الأولى والتي نالت نصيبها وواجهت مصيراً قاسياً بحكم موقعها الجغرافي المحكوم من قوات النظام وحلفائه، تكاد لا تسمع اسمها، فكيف بات الوضع المعيشي اليوم فيها؟

بعد انتشار الفيديو الأخير لمجموعة عناصر في الجيش السوري يشربون الخمور ويتحرشون بالمارة في وضح النهار في قلب مدينة دمشق، تساءل كثيرون حول جدوى العودة إلى سورية بعد ما تعرض له اللاجئون على مدى سنوات طويلة من ظروف صعبة وسوء معاملة وانعدام الأمل بانتصار يعزيهم، ولكن الغريب في الأمر هو استنكار قاطني مدينة حمص وردودهم التي تشير إلى اختلاف جذري للوضع في حمص اليوم عن قرينتها دمشق وحتى عن طرطوس واللاذقية وحماه، مما دعانا للاستفسار من مصادر داخل المدينة عن وضع حمص اجتماعياً وأمنياً، وتحديداً بعد خروج مسلحي الوعر من آخر المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

للحديث عن حمص لا بد للتشريح الطائفي أن يكون حاضراً وبقوة، فحمص مدينة تضم نسبة عالية من الغالبية السنة وأقلية يعتد بها من المسيحيين ونسبة لا بأس بها من العلويين القاطنين للأحياء الشرقية لمدينة حمص.

وللحديث عن الأحياء السنية يقول أبو باسم* المعتقل السابق وأحد أصحاب المهن الحرة العائدين إلى محلاتهم وأعمالهم في المدينة بعد انقطاع دام سنوات طويلة: توقعنا موجة من الاستفزازات بعد خروج مسلحي الوعر، ولكن حدث العكس، لم يتكلم أحد ولم نر أي مظاهر استفزاز أو أي عبارات تحريضية بعد عودة الوعر للنظام.

ويضيف أبو باسم “بالنسبة للحواجز اليوم كلها تتبع لأجهزة الأمن وتختلط أحياناً بعناصر من الشرطة المدنية، ولا يوجد في الأحياء السنية أي حواجز للدفاع الوطني أو أي من القوات الرديفة، وقد لاحظ سكان المدينة تغيراً جذرياً في تعامل عناصر الحواجز مع السكان، فاللطف المبالغ به والاحترام الذي يتعامل معه عناصر الحواجز مع المارة -سواء مشاة أو بسياراتهم- أمر لا يمكن إلا الإقرار به وتقديره، فالعناصر تبادر بالتحية، والعبارات اللطيفة عند طلب الهوية، وطلب الهوية أصبح أمراً نادراً، بالتوازي مع انخفاض ملحوظ في عدد الحواجز والتي كانت تعتبر حواجز أساسية في السنوات الست المنصرمة كحاجز النسرو وحاجز النخلة”.

ويتابع المعتقل السابق حديثه عن أوضاع حمص “بلغ الأمر أن الأهالي في أحياء معينة يطالبون ببقاء الحواجز في نقاط معينة لضبط أمن الحي خصوصاً بعد انحسار كبير لعمليات السرقة واستتباب الأمن بشكل ملحوظ في الأحياء ذات الغالبية السنية، كحاجز النخلة في شارع البرازيل والذي انتقل ليصبح على مدخل حي التوزيع الإجباري، مانعاً بذلك دخول أي غريب إلى الحي.

وعن اختلاط العلويين بالسنة في أعمالهم اليومية ومقاهيهم، يقول أبو العز المهندس، أحد أصحاب الورش التي تمارس أعمال إعادة الترميم في المدينة: يُجمع العلويون الذين يحلون ضيوفاً عليك في المقهى أو في الدكان على ضرورة نسيان ما حصل، وعلى الاعتراف بهول المصيبة التي ألمًت بحمص، وتكاد عبارات مثل: “نحن ولاد هالبلد، بدنا نعيش مع بعض، شئنا أم أبينا، فخلينا نعيش بمحبة، الكره ودانا لفواجع، ما في بيت ما فيه حدا مات بهالحرب”، تكاد هذه العبارات تكون سمة الحديث عند أغلبهم، ويتجنب الطرفان أي حديث حول النظام بعجره وبجره، ويسيطر حديث العيش المشترك على أي محادثة، بل ويذهب البعض للحديث عن كرههم لشبيحة الأحياء العلوية، وما جرّوه من ويلات على الأحياء العلوية وممارساتهم التي ارتاح منها السنّة ولكنها لا تزال تمارس في الأحياء العلوية ولو على نطاق ضيق.

ويشير أبو العز أن “الحركة في الشوارع طبيعية ولم تسجل أية حالة تحرش منذ أكثر من سنة، وضمر التواجد بالبدلة العسكرية في المقاهي والمطاعم، ويؤكد عناصر الأمن الرسميون لأصحاب المحلات على ضرورة الاتصال بهم في حال قام أي أحد بممارسات تشبيحية، حتى تلك التي تصل لرفض دفع حساب محل أو مطعم أو دكان”.

وفيما يخص الوضع بحي الوعر تحديداً، يوضح أنه “تم حصر أصحاب البيوت أو المكلفين أو الموكلين رسمياً بمتابعتها وتم ترقيمهم، حيث يسألك الحاجز عند مدخل الحي عن رقمك فقط، وقد يطلب أحياناً فتح مخزن السيارة الخلفي شكلياً”.

ويلفت أبو العز أن “وسائل النقل العامة تعمل حتى الساعة الحادية عشرة ليلاً لحي الوعر وأكثر من ذلك بالنسبة لبقية الأحياء. وبات مسموحاً الوصول لمنطقة جامع سيدي خالد ولكن الأحياء المجاورة والتي أصبحت ركاماً يتجنبها الناس ويتجنبون الحديث عن العودة إليها أو السؤال عن مشاريع الحكومة المضمرة لها”.

في الأحياء ذات الغالبية العلوية، يقول معارض للنظام فضّل عدم ذكر اسمه إن حواجز ميليشيا الدفاع الوطني انخفضت بشكل ملحوظ، ولم يعد هناك سوى حاجزين، أحدهما قرب مديرية النقل والآخر عند مدخل حمص الشرقي من جهة قرية زيدل، ويلاحظ أيضاً انخفاض تواجد عناصر الدفاع الوطني والقوات الرديفة في الحي بعد زجهم في معارك تدمر والمناطق الشرقية في البادية السورية، وخصوصاً بعد انتقال صقر رستم وتعيينه قائداً عاماً للدفاع الوطني في مدينة دمشق وحلول شخص يدعى الأستاذ خلدون مكانه في حمص.

ويشرح المعارض أن الوضع اليوم في حمص مؤشر على رغبة النظام بأعلى مستوياته في تهدئة الأمور وترك المدينة بعيداً عن الصراعات الدائرة في سورية، وبعيداً عن تجاذبات القوى المتحالفة مع النظام من قوات إيرانية وعراقية وروسية ولبنانية، حيث يكاد يختفي تماماً التواجد الأجنبي في المدينة، بينما يظهر جلياً في الأرياف العلوية تحديداً وفي القرى الغربية على وجه الخصوص، كقرية عرقايا المشهورة بمقام الشيخ يوسف الرداد المبجل عند الطائفة العلوية ككل، حيث يستفحل بشكل كبير الدور الإيراني في محاولة تشييع القرى الفقيرة والمعدمة باستخدام المال السخي، وتدجين السكان ودفعهم لقبول التشيع والولاء المذهبي الاثنى عشري للولي الفقيه في طهران.

يتحدث المحامي أيمن، وهو محام متقاعد من الطائفة العلوية عن تذمر شديد للعناصر التي تخدم في مناطق سيطرة القوات الإيرانية والروسية، حيث باتت سيطرة هذه القوى مزعجة جداً، بل ويصل بعضهم لوصف الأمر في الأحاديث المهموس بها أن الأمر بات احتلالاً رسمياً، ولا يخفي هؤلاء العناصر عند عودتهم لبيوتهم آراءهم أن “الإيراني” أسوأ بكثير من “الروسي”، وأن الثقة مفقودة تماماً بينهم وبين قوات الجيش السوري.

والملاحظة المشتركة عند كل من حادثناهم في هذا الخصوص هو عودة مظاهر الوجود السني في الأحياء العلوية، وما يميزه من ظهور الفتيات المحجبات بكثرة في شارع الحضارة ذي الغالبية العلوية واعتياد الزيارات المتبادلة بين الشباب العلوي والشباب السني في الأشهر العشرة المنصرمة .

يقول أحد الشبّان السنّة إن الحواجز الوهمية انكسرت عند الشباب ولكنها لا تزال موجودة عند كبار السن، فيمتنع الكبار من الطرفين عن الذهاب إلى مناطق الآخر بينما يتقبلها الأبناء والأجيال الأصغر سنّاً.

هذه التغيرات الكبيرة في المشهد الحمصي لا تفاجئ أحد المتحدثين إلينا، فيقول: ليس هناك شيء للصدفة، ما يحصل في حمص اليوم هو ترجمة الدور المطلوب منها، فقد كان مطلوباً من حمص في 2011 وحتى نهايات 2015 أن تكون بؤرة التوتر الطائفي والانقسام الحاد بين السنة والعلويين، واليوم الدور المطلوب من حمص هو العكس تماماً، وتهدئة الأمور تتطلب جهداً أقل من إشعال جبهات القتال، بل من ناحية مالية تكاليفه شبه معدومة، يكفي أن تدع الناس وشأنها وتكف ألسن عناصر التحريض الذين هم من عناصر الأمن وتوجيه الإعلام المحلي نحو الواقع الخدمي المتحسن ببطئ، والواقع الأمني المتحسن بسرعة وبشكل بات يلاقي استحساناً عند السنة قبل العلويين .

يستطرد المحامي أيمن: هذا لايعني أن حمص باتت مدينة الحريات الشخصية، إذ لا تزال عناصر الأمن تراقب عن كثب أي حديث سياسي، أو أي كلام قد يراه الأمن خطراً يتهدده أو يزعجه، فالجميع يعلم أن الأمن لن يتساهل أبداً مع أي توجه معارض. ولكن الأمر الجيد هو انحسار موجة الخطاب الطائفي والاحتقان الشديد الذي دام أكثر من خمس سنوات مضت.

ينهي أيمن حديثه “تعبت الناس، وحقيقةً الناس بدها تعيش بس، ما بقا حدا بدو ينتصر ولا يخسر، بيوت العزاء التي وسمت الأحياء العلوية أرهقت المجتمع تماماً، حرب عبثية دفعنا فاتورتها”.

* جميع الأسماء الواردة في النص مستعارة.

نبذة عن الكاتب

وائل عبد الله

وائل عبد الله، خريج كلية الإعلام، قسم التعليم المفتوح. حاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يعمل حالياً كاستشاري في قطاع إدارة المخاطر.

مقالات متعلقة

Loading Facebook Comments ...