إلهام شاهين ومحمد صبحي في دمشق.. بعض المعاني

إلهام شاهين ومحمد صبحي في دمشق.. بعض المعاني

*شادي لويس

من دمشق وأثناء مشاركتها في عيد الفنانين السوريين، في مايو الماضي، صرحت الممثلة المصرية، إلهام شاهين، بأنه “لا حرب ولا دمار ولا خراب في سوريا”. لا تكتفي شاهين مع الوفد المصري، الذي ضم فاروق الفيشاوي والإعلامية بوسي شلبي،والمخرج عمر عبد العزيز والمخرج والمنتج السينمائي محسن فودة بالإعلان عن دعمهم للنظام السوري، بل إن شاهين تذهب إلى أبعد مما يمكن لبروباغندا النظام السوري أن تتخيله أو تجرؤ عليه، لا بنفي الحرب فقط، بل بوصف كل تلك الصور التي نراها عنها على شاشات التلفزيون بالجرافيك، ملقية باللوم على وسائل الإعلام التي “زيّفت الحقيقة.”

تعود شاهين مرة أخرى إلى دمشق على رأس وفد فني يضم محمد صبحي وآخرين للمشاركة في معرض دمشق الدولي، في زيارة مع أنها أثارت كثيراً من اللغط، إلا أنها لم تكن صادمة أو غير متوقعة. فنظام الثلاثين من يونيو له موقف علني ثابت من الحرب السورية، هو دعم الدولة والجيش “الوطني” في مواجهة ما يدعوه “الإرهاب”، وهو موقف كان له أن يوتّر علاقات النظام المصري بداعميه الخليجيين، لفترة ليست بالقليلة، وكانت إحدى نتائجه توقف شحنات النفط السعودية إلى مصر لبعض الوقت، قبل أن تعود الأمور لسابق عهدها بالتنازل المصري عن جزيرتي تيران وصنافير.

 لكن وإن كان موقف السياسية الخارجية المصرية من سوريا باهظ الثمن، لا يتجاوز تأثيره مجرد الدعم المعنوي والدبلوماسي في المحافل الدولية، دون ثقل حقيقي على الأرض، فإن خطاباً رسمياً عن الحرب السورية يلعب دوراً جوهرياً في السياسية الداخلية المصرية. فمن جانب يبدو شعار “أحسن ما نبقى زي سوريا والعراق” واحداً من أكثر الوسائل الخطابية نجاحاً في بث الرعب من المصير السوري، وترسيخ الوضع القائم في مصر، ومن جانب آخر فإن إسقاطا للصراع في سوريا على الوضع السياسي في مصر، بوصفها حرباً بين الدولة الوطنية والإرهاب المدعوم من قوى خارجية، يختزل تعقيدات الصراعات في المنطقة إلى حرب شاملة ضد الإسلام السياسي وجماعاته المسلحة، ويؤطر الموقف منها جميعاً على خطوط الصراع السياسي في مصر.

إلّا أن هذا لا يدفعنا بالضرورة إلى افتراض أن الجماعة الفنية والإعلامية في مصر منطوية بالكامل تحت عباءة النظام السياسي، وتتصرف تبعاً لتوجيهاته المباشرة. فالأمر أن الجماعة الفنية والإعلامية في مصر، وبعد اندلاع ثورة يناير والصعود السياسي لتيارات الإسلام السياسي الذي أصبح أمراً واقعاً بعد شهور قليلة منها، وجدت نفسها في مواجهة تهديد ليس من باب المبالغة وصفه بالوجودي، والذي سرعان ما تحول لتهديدات شخصية مباشرة، فإلى جانب حصار المنتسبين لتيارات الإسلام السياسي لمدينة الإنتاج الإعلامي في عام 2013، ولاحقاً تفجير برجي الكهرباء فيها بعد عزل مرسي، فإن إلهام شاهين، في عام 2013، وجدت نفسها مضطرة لرفع قضية على الداعية عبد الله بدر، بعد أن عرض صوراً عاريةً مزيفة لها في برنامجه التلفزيوني على قناة الحافظ الإسلامية، مشفوعة بسب وقذف وتحريض عليها وعلى الجماعة الفنية إجمالاً. وإن كانت شاهين قد كسبت قضيتها بالحكم بسجن الداعية، فإن الأمر لم يخلُ من تلقيها تهديدات بالأذى الشخصي أثناء القضية وبعدها أكثر من مرة.

 لكن وإن كانت المصلحة الشخصية المباشرة، بالإضافة إلى المصلحة المهنية للجماعة الفنية والإعلامية في مصر، تبدو دافعاً منطقياً، لانخراط المنتمين لها في الحراك المعارض لجماعة الإخوان المسلمين قبل الثلاثين من يونيو، وبلعب دور جوهري في تأييد النظام الحاكم والترويج لدعايته بعدها، فإن الأمر لم يكن فقط مدفوعاً بالخوف من الإسلاميين فقط. فعلى الرغم من دخول القطاع الخاص إلي مجال الإنتاج الفني والإعلامي في مصر، بعد سياسيات الانفتاح الساداتية وبشكل أكبر في عصر مبارك، وهو ما حرر الجماعة الفنية والإعلامية من هيمنة الدولة الكاملة على عمليات الإنتاج وأدواته ورؤوس أمواله على الأقل نظرياً، إلّا أن علاقات الزبونية المعقدة بين النظام وطبقة رجال الأعمال، مع سيطرة الدولة على أجهزة الرقابة والتراخيص وعضوية النقابات الفنية بالإضافة للمزايا التي تقدمها أجهزة الدولة فيما يخص المشاركة في المهرجانات الثقافية والفنية، وجوائز الدولة وتكريم مؤسساتها الرسمي، والاشتراك في الوفود الفنية للخارج والمناسبات الرسمية داخلياً، كل هذا ساهم في تأطير شبكة علاقات عضوية تضمن ولاء الجماعة الفنية وتدجينها، بشكل أقل مباشرة وأكثر طوعية من الستينات، وإن كان لا يقل كفاءة وتأثيراً.

 لا يمكن اختزال علاقة الدولة بالجماعة الفنية في مجرد علاقة خضوع من طرف واحد، فالإنتاج الفني لعب دورا جوهرياً في الترويج لمفاهيم القومية والاشتراكية في العهد الناصري، وتولى أدواراً تراوحت بين الترفيه والتنفيس المحسوب بدقة لاحقاً مع تداعي الإيديولوجيات الكبرى، وهو أمر تجاوز وعي المنتسبين للجماعة الفنية بدورهم الوطني، إلى تماهيهم مع القيم والخطابات التي قاموا بترويجها وترسيخها في الوعي العام. هكذا فأن قناعات راسخة لدي قطاعات فنية مصرية بخطاب القومية في نسخته الناصرية، ربما تفسر مشاركة الفيشاوي، في الزيارة السابقة إلي دمشق بالرغم من معارضته العلنية للسيسي وتدخل الجيش في الشأن السياسي.

إلا أنه وبينما تكشف زيارة شاهين والفيشاوي، مع تعارض مواقفهما من النظام في مصر عن تنوع دوافع كل منهما، وعن انقسامات الجماعة الفنية فيما يخص السياسية المصرية والمسألة السورية، فإن ردود الأفعال على مشاركة الممثل المصري، محمد صبحي في زيارة دمشق الأخيرة، تكشف عن دور الرأي العام في تحديد موقف الجماعة الفنية. فبفعل هجوم كثيف على شبكات التواصل الاجتماعي على زيارة صبحي، وبالأخص بسبب لقائه بنائبة بشار الأسد، نجاح العطار، وجد صبحي نفسه مضطراً إلى التنصل من تهمة دعم النظام السوري. وإلى جانب ادعائه أنه لم يلتق بأي مسؤول سوري حكومي، وأن لقاءه بالعطار، صديقته منذ سنوات بحسب تعبيره، كان لقاءاً شخصياً، ذهب صبحي للقول إن زيارته كانت للوقوف إلى جانب الشعب السوري الذي “عانى من الدمار والويلات والذبح والقتل والتهجير والاغتصاب وذبح الأطفال”، ويضيف “أما النظام فالشعب كفيل به”، مضيفاً أنّه “إذا كُنتُم سوريين فالأولى والأشجع بكم أن تذهبوا لتغيير النظام أما إذا كُنتُم غير سوريين فعليكم تتركوا النظام لأهل البلد فهم كفيلين به.”

انتهت زيارة الوفد الفني المصري، بأخبار تداولتها وسائل الإعلام المصرية عن نجاة شاهين وصبحي ومن معهما “من الموت بأعجوبة”، بعد أن تعرض محيط معرض دمشق لهجمة صاروخية، فأخيراً ربما يُحسب للزيارة أنها أتاحت لشاهين أن ترى بنفسها أن الحرب ليست “جرافيك”، وأنه ليس كل الشعب السوري سعيد بتضامن صبحي معهم، على طريقته.

نبذة عن الكاتب

شادي لويس

كاتب وباحث مصري، حاصل على شهادة الماجستير في علم النفس من جامعة إيست لندن، يكتب المقال في عدد من المواقع والصحف العربية

Loading Facebook Comments ...