لا تكتبوا هذه الأشياء في نعوتي

المقال المقروء:

مُنذ أيام قليلة، رحلت الفنانة السورية فدوى سُليمان في أحدى مشافي مدينة باريس. شكل رحيلها مُناسبة للعديد من المُتابعين السوريين لكتابة آرائهم عنها وعن سيرتها الذاتية. على أن الكثير من تلك الانطباعات التي عدها المُعبرون مديحاً لفدوى سُليمان، كانت بمثابة مس وجداني بها، لأنها كانت تُرائي خيارات وميول من كتبوا عنها، ولم تكن مُطابقة لما كانت عليه فدوى سُليمان قط، حيث جمعتها بكاتب هذه السطور صداقة امتدت لسنوات.

على سبيل أخذ الحيطة، يظهر وكأنه على المرء أن يكتب شيئاً ما عن نفسه وخياراته قبل رحيله، بالذات عن تلك الأشياء التي يُمكن أن تُكتب عنه بعد موته، وحتى لا يأخذ الهوى الكثيرين، ويكتبوا ما يحلو لهم عن سيرته ومواقفه، بالذات تلك التي يُمكن للبعض أن يعتبرها سمات إيجابية، ورُبما تقديسية للشخص، لكنها تمسه في وجدانه وحقيقته. وهي بالنسبة لكاتب هذه السطور في السياق السوري ما يلي:

أولاً لست شخصاً مُسالماً تماماً، وهذا لا يعني البتة كوني شخصاً عُنيفاً ومُحرضاً عليه. على العكس تماماً، يعني أني أفهم العُنف ونوازعه ومصادره، وأعترف بحق الذين يتعرضون للعُنف الأرعن والمحض أن يدافعوا عن أنفسهم، عن حقهم بحماية ذواتهم من الهوان والتحطيم والخضوع. في نفس السياق، أتفهم وأحرض المُحطمين لأن يوجهوا ضربات قاسية لمن يسعون لتحطيمهم بالعُنف. فالدفاع، ولو العنيف، عن النفس، في مواجهة العُنف الأولي والتأسيسي، ليس مُجرد حقٍ عادلٍ، بل فرضاً أخلاقياً محضاً ومُطلقاً على الشخص الذي يستطيع. وإلا فأن المهانة تلتبس كامل كيانية الفرد، ولا يغدو إلا فرداً مُتخلياً عن كرامته الآدمية.

إن كان ثمة من إدانة ما مني للعُنف، فهي للذين بدأوا أولاً باستخدامه واعتباره وسيلة لكسر إرادة وكرامة الأناس المُسالمين. فهذا العُنف بالضبط، هو العُنف الاعتدائي، الذي يشبه تعنيف شخصٍ مُستسلمٍ، لا يملك أية وسيلة للدفاع عن نفسه.

من جهة اخرى، فأني لست من الذين يعتبرون انفسهم غير طائفيين وغير قوميين بشكلٍ مُسطحٍ ومُبتسر خادع. بمعنى أني أتفهم وأعي كيف يغدوا الناس طائفيين وقوميين، أفهم ذلك ولا أدينه. لأني أفهم حجم ما فُعل بهم حتى غدوا ذلك.

فوق ذاك، فأني أميل أولاً لفضح الأشكال المُستترة للطائفية والقومية، تلك التي تسعى لأن تُنفذ أجندتها الطائفية والقومية بصمتٍ مكين، وبادعاء رهيب للمدنية والعلمنة، وعن سابق اصرار وتخطيط، ودون أن يكونوا خاضعين لما قد يدفعهم لفعل ذلك. فضح الذين يعتبرون الطائفية والقومية المُستترة استراتيجيتهم وخطتهم لتحقيق مراميهم السُلطوية.

مُقابل ذلك، أعي حق الناس باللجوء إلى جماعتهم وتكويناتهم، إلى أي شيء يعتبرونه حماية روحية وجسدية لهم من هول ما يحيط بهم من تحطيم أرعن، اتفهم فقرهم الروحي والثقافي، لكني لا أدين إلا الذي أوصلهم لهذه العتبة المُريعة، ولم يوصلهم إلا ليشرعن القضاء عليهم فيما بعد.

ثالثاً، لست وطنياً، الوطنية باعتبارها غمامة غامضة من الشعارات والرموز والذواكر، وحتى المناطق والمُدن والأراضي والأعلام والقوانين والجماعات. وفي مرات غير قليلة، أرى في الوطنية شيئاً مفزعاً، والوطنيين كأناس خطيرين. فمثلما استطاعت باقي الأيدولوجيات الدينية والقومية والسياسية والعرقية أن تخلق خطابات وبرامج تُشرعن الاعتداء وتحطيم أجزاء من المُجتمع، أو الشعوب والجماعات الأخرى، فأن الوطنية مُهيئة على الدوام لأن تفعل الأمر نفسه.

على العكس تماماً، أميل لموالاة المُجتمعات بأبسط وأصغر تكويناتها، على حساب الأوطان والوطنيات. الناس وحقهم بحياة هانئة ومُسالمة ووديعة أرفع وأقدس مكانة من أية أوهامٍ أخرى، بالذات أوهام الوطنية، وتحديداً في أحوالٍ كالتي لبِلادنا ومُجتمعاتنا، الغارقة في تقديس الاوهام.

أخيراً، فأني لستُ شُجاعاً وبطلاً بأي شكل. أعترف بهشاشتي المكينة وضعف إمكانياتي وطاقتي، وبذلك أريد من الآخرين أن يعترفوا بحقي الأصلي بالكآبة وفقدان الأمل، وبذا بالانزواء والنكوص عن العمل العام، نحو ما هو شخصيٌ وذاتي جداً. حقي في ترك الأحلام والأماني، والابتعاد عما كُنت اتصوره في لحظة ما أنه جوهري ومُقدس.

أعترف أني لا أحب البطولة والأبطال، وأني حيثما اتبعت سيرة بطلٍ ما، وجدتها مُتخمة بالصناعة والتركيب، وغالباً بالتزييف وبلاغة الادعاء، ودوماً على حِساب آلاف الآخرين. بالمقابل، أملك ولاء مُطلقاً للمُنجزات الصغيرة والجزئية، اُسعد بها واسعى في سبيلها. وأريد لنعوتي أن تكون مثلها، صغيرة وبسيطة وشخصية، لأن النعوة كالموت، الذي لن أواجهه إلا بشكلٍ فرديٍ جداً.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...