عم تسمعوا:
الأربعاء 18

موسيقى ومتفرقات

الإثنين, 17 أبريل, 2017 عالـ 11:35 م - الأربعاء, 18 أبريل, 2018 عالـ 1:30 ص

الاعتذار الفلسطيني

المقال المقروء: 

قبل سابيع قليلة، افتتحت إحدى المنابر الإعلامية الإسرائيلية قناة ليُعبر بها العراقيون عن آرائهم ومواقفهم من إسرائيل وسلوكياتها في سياق المسألة الإسرائيلية/الفلسطينية.

كان ثمة أمران لافتان في هذا الحدث: الأعداد الهائلة من المتفاعلين العراقيين. فقد شارك عشرات الآلاف من العراقيين، الذين ظهروا وكأنهم يمارسون ردة فعل على كبتٍ عميق. أناسٌ عاديون ومن كُل الطبقات، يُقدمون آراءهم وموقفهم من مسألة كانت تاريخياً حِكراً على أنظمة وحُكام مُستبدين وخُطباء مفوهين، نطقوا نيابة عن هذه الطبقات، التي اُلغت وهُمشت لصالح المركزيين الأقوياء.

الأمر الآخر كان في الآراء الإيجابية التي عبر بها العراقيون عن موقفهم من الدولة الإسرائيلية وسلوكياتها، مقابل نقد لاذع للفلسطينيين ومواقفهم وتياراتهم السياسية. وهو شيء غريب عموماً عما هو مُتخيل عن مواقف أحد المجتمعات العربية الإسلامية، من الثنائية الإسرائيلية الفلسطينية. ضاعف من الغرابة، كون هذا الحدث جرى في سياق أزمة المسجد الأقصى والتعاطف العربي والإسلامي العمومي مع الفلسطينيين.

تجاوزاً لعبارات الشجب التي تُمارس تقليدياً تجاه مثل هذه المواقف، فالسؤال الأجدر هو عن الأسباب الموضوعية والفعلية التي أدت بالعراقيين للتموضع في مثل هذا الخيار. السؤال عن العلاقة الشائكة التي ربطت فلسطين ومسألتها ومُجتمعها وتياراتها السياسية بما يُقابلهم عراقياً، مُجتمعاً وطبقة حُكم. سواء تقليدياً في الأزمنة التأسيسية للمسألة الفلسطينية، أو راهناً فيما يتعلق بالتحولات التي جرت في كُل من العراق وفلسطين مُنذ عقدٍ ونصف.

موضوعياً يمكن أن ينسحب هذا السؤال على غيرها من المُجتمعات والتكوينات السياسية القاعدية العربية والإسلامية، التي لم يُتح لها المجال بشكلٍ مُستقل لأن تُعبر عن مواقفها من المسألة الفلسطينية، والتي يُمكن في أكثر من بُقعة أن تملك نفس المواقف التي لقاعدة واسعة من المُجتمع العراقي.

بهذا المعنى، فأن السؤال الأصدق هو عن السلوكيات والمواقف والمواقع التي تشغلها القضية الفلسطينية وحركتها السياسية والخطابية، وتأثيرها على المُجتمعات المُحيطة وتفاعلها مع المسألة الفلسطينية.

أولاً يُمكن رد هذا الموقف العراقي غير المتوقع إلى موقع ودور آلاف الفلسطينيين العراقيين من خيارات الشعب العراقي. فجزء كبير من التعليقات الشاجبة كانت تُعبر عن عدم تقبلها قيام 1400 انتحاري فلسطيني بتفجير أنفسهم في العراق مُنذ العام 2003! أوقعوا خلالها عشرات الآلاف من الضحايا العراقيين!

فهؤلاء الفلسطينيون الذين كانوا بسوادهم الأعظم من المتعاطفين مع الدعاية الخطابية الصداميّة القومية والهوياتية، وانحازوا مُنذ غزو الكويت لأن يكونوا جزءً من المشروع الصدامي الذي لاقى هواهم السياسي والإيديولوجي، ثم انخرطوا في أجهزة وأفعال صدام حُسين داخل العراق، وفي مرحلة لاحقة كانوا الأكثر تطرفاً في ممانعة التحول السياسي في العراق بعد العام 2003.

كان كُل ذلك على حساب المُجتمع العراقي، الذي كان يجب إلغائه لصالح القضية الأعظم في رأيهم، فلسطين. بالضبط كما كان صدام حُسين يُريد أن يلغي المُجتمع العراقي أيضاً، لصالح القضية الأعظم برأيه، خلود حُكمه.

لعب الفلسطينيون في أكثر من دولة ومنطقة هذا الدور، وإن بمستويات متفاوتة حسب درجة تناقض أنظمة الحُكم مع قطاعات واسعة من مُجتمعات تلك الدول. لكن دوماً كان السواد الأعظم من الفلسطينيين مع الأنظمة والتيارات المُحافظة والمُتسلطة والخِطابية في هذه الدولة، تحت يافطة تأييد هذه الأنظمة للقضية الفلسطينية، التي من المفترض والواجب أن تكون أقدس وأهم من قضايا هذه المُجتمعات وأوجاعهم.

جرب الفلسطينيون ذلك في السودان واليمن الجنوبية وقطر ولُبنان وليبيا والجزائر ومصر عبد الناصر ودولٍ أخرى. دخلت أغلبية الفلسطينيين في شبكة من العلاقات الشائكة والمرعبة بين هذه الأنظمة ومجتمعاتها، من باب أن فلسطين هي المعيار والبوصلة التي يقيسون عليها مواقفهم ومواقعهم.

يشكل الموقف الراهن للسلطة الوطنية الفلسطينية من المسألة السورية وعلاقتها مع النِظام السوري أفظع نموذجٍ عن هذا التناقض الرهيب في موقف قطاع واسع من المجتمع السياسي الفلسطيني. لا يقل عنه موقف الإسلاميين الفلسطينيين السوريين، المتمثلين بقواعد حركة حماس في سوريا، الذين كان لهم موقف إيجابي من الثورة السورية، متحورٌ حول أمل وصول حُلفائهم من الإخوان المُسلمين للحُكم، لكنهم حينما فقدوا ذلك الأمل، أعادوا ترتيب أوراقهم مع الراعي الرسمي للنِظام السوري، إيران.

دون شك ثمة قطاع غير قليل من النُخب والأفراد الفلسطينيين الذين وقفوا إلى جانب قضايا شعوب هذه الدول، وسقطوا شُهداء في سبيل كرامة هذه المُجتمعات ونيلها لحق تقرير مصيرها، لكنهم في المُحصلة كانوا مُجرد أفراد، أما السواد الأعظم من فلسطينيي هذه البُلدان كانوا في دفة الأقوياء من أنظمة الحُكم. دون شكٍ أيضاً، فأن كُل الأنظمة استغلت الفلسطينيين والقضية الفلسطينية، وحاربت الفلسطينيين في أكثر من موقعة، لكن ذلك كان لصالح هذه الأنظمة وليس لمصلحة المُجتمعات المُهشمة.

تستحق شعوب المنطقة أن تنال اعتذاراً فلسطينياً، لكثير من الأسباب، أوجهها أن شعوب المنطقة تشبه فلسطين تماماً، في ضعفها وهوانها، وأولاً في حقها العادل.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

مقالات متعلقة

Loading Facebook Comments ...