عم تسمعوا:
الأربعاء 18

موسيقى ومتفرقات

الإثنين, 17 أبريل, 2017 عالـ 11:35 م - الأربعاء, 18 أبريل, 2018 عالـ 1:30 ص

الجزيرة السورية مقبرة الأيديولوجيات

المقال المقروء:

لم يُنفذ حزب البعث ايديولوجيته القومية إلا في الجزيرة السورية، أو بقولٍ أكثر دقةٍ ومباشرة، لم ينجح في تنفيذ نزعته القومية العربية المنهجية مثلما نجح في تطبيقها في الجزيرة السورية. إذ كيف لحزب عروبي سُلطوي أن يُنفذ برنامجه في منطقة أخرى من سوريا كما فعل في الجزيرة. كيف كان له أن يُعرب من هُم عرب بالأساس، لُغة وثقافة ووجداناً جمعياً. لكن في الجزيرة السورية، كان ثمة خليط مُريع بالنسبة للمخيلة البعثية، كُردٌ وأرمنٌ وسريانٌ وعربٌ منوعون. هناك وجد البعث ضالته، بيئة جاهزة لتكون عدواً وظيفياً، وهشاشة في بُنية سُكانها وهامشية في موقعهم من المتن الوطني، لذا كان المكان الأفضل ليثبت البعث جدارته السُلطوية.

طوال عقودٍ غير قليلة، نفذ البعث بجبروته السُلطوي ومؤسساته الحاكمة وهيمنته الأيديولوجية “بعثنته” لتلك البيئة. عرّب أسماء البلدات والقرى وحتى الشوارع، منع أي تداول عام إلا باللغة العربية، اقصى جميع التيارات السياسية والاجتماعية والثقافية التي لا تملك ولاء محضاً للتعريب بشكله البعثي، وحاول اللعب بالتركيبة السُكانية من خلال عمليات الخلخلة والإسكان، جند آلاف الموظفين والأمنيين لمنع نمو وانتشار أية ثقافة محلية غير العربية. حتى في الأوساط الكنسية بالغة الضمور، فقد كان يقبل باللغة السريانية كلغة دينية فحسب، وليس كمُعبر عن ثقافة مختلفة لشعب بعينه، مُتمايز عن نظيرته العربي. كان صولجان العروبة بيد البعث حاضراً في كُل مكان، ولأكثر من نصف قرن.

لكن البعثيين في المحصلة لم يستطيعوا تحقيق تطلعاتهم، عدا زرع الكثير من بذور الكراهية، مع الكثير من خلط الأوراق وسوء الفهم المُتبادل بين الجماعات الأهلية المكونة لنسيج تلك المنطقة. فلم ينس أهل القرى وذوو البلدات اسماء مناطقهم الأصلية، التي سموا بها حتى أولادهم، ولم تختف اللغة الكُردية والسريانية والأرمنية والآشورية. وكمثل اللغة لم يختف أهلها والناطقون بها، بقوا مع أحلامهم وثقافاتهم ونزعاتهم الذاتية.

بعد نصف قرنٍ من البعثنة في الجزيرة السورية، يبدو البعث والبعثيون أيتام تلك المنطقة، بالأحرى أكثر ناسها يُتماً. فالذين انشقوا عن البعث الحاكم يُقصفون من بعثيين آخرين. أما الذين بقوا بعثيين، فعليهم فقط أن يفتكوا بدماء أهلهم الباقين. هل من تراجيديا مثل هذه، مزيج من الفشل والتحطيم وبؤس المصير.

اليوم ايضاً، ثمة من يسعى لأن يُعيد تطبيق أيدولوجيات أخرى شبيه لتجربة البعث. فالحركة القومية الكُردية التي بقيت لأكثر من ثلاثة أرباع قرن تجهد لأن تثبت عائدية هذه المنطقة لحدود كُردستان الطبيعية والثقافية والقومية، وعانت في سبيل ذلك من كُل اشكال التنكيل والمحق. نفس الحركة تشاهد نفسها اليوم منفية تماماً عن الحياة العامة السياسية والثقافية في تلك المنطقة، وعلى أيادي شُركاء في النزعة القومية الكُردية، الأخوة الاعداء.

هؤلاء الأخيرون، الذين يمزجون بين نزعتهم القومية الكُردية مع الكثير من الأيديولوجية الاشتراكية والتنظيرات الديمقراطية والخطابات الأخوية الشبيهة بالمواعظ الكنسية، لكنهم في الوقت عينه غارقون في مسيرة كُبرى لإلغاء المُجتمع وضبط وكبح نزعاته التحررية للتفكير والتنظيم المُستقل، ويسعون لأن يحتكروا الحياة العامة السياسية والاقتصادية والعسكرية، مستعيدين الحكايات القديمة لكُل الأنظمة الشمولية في المنطقة والعالم.

على نفس سيرة التحطم، تكسرت الأيديولوجيات القومية الآشورية والأرمنية. فجميعها كانت في أقصى درجات نزعاتها المتخيلة عن الأصل والوجود والمستقبل، بينما الواقع المُعاش كان شيئاً آخر تماماً: فالجزيرة السورية كانت خيطاً رفيعاً على تخوم الكثير من الكيانات التاريخية والحديثة، ومجتمعها مبني على فيضٍ من التنوع الاجتماعي والسياسي والثقافي. في الوقت عينه فأن تلك المنطقة كانت خارج الصراع الحقيقي الذي كان يجري في متن البِلاد ومراكزها الحيوية، الاقتصادية والسياسية.

لم تكن تلك المقبرة الأيديولوجية في الجزيرة السورية على حِساب تلك الأيديولوجيات التي حاولت استملاك مصائر الناس، فالأيديولوجيات لم ولا تخسر أبداً. بل كانت تلك النزعات بالضبط على حِساب من لم تأخذهم تلك الأيديولوجيات في الحسبان، الناس العيانيين المُباشرين، الهشون ذوو المكان والأحلام البسيطة، الذين اقتلعوا من أراضيهم وقراهم وقصباتهم التي كانت عامرة بحياة عادية وبسيطة، لكن بالغة الحقيقية والحيوية.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

مقالات متعلقة

Loading Facebook Comments ...