لكنها القُدس!!‏

المقال المقروء: 

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

يتصل بي زميلٌ من إحدى الوسائل الإعلامية الفلسطينية من قِطاع غزة، وبعد جُملٍ تعارفٍ قصيرة، يدخل في الديباجة التقليدية لمُنتسبي الحركات الإسلامية، عباراتٌ مُجردة عن الأنظمة العربية ومدى انفصامها وعدائها للشعوب وخيانتها للقضية الفلسطينية. ثم ندخلُ في حديثٍ عن الأحوال الراهنة، فيبدأ بسرد ديباجة أخرى عن استثنائية القدس ومكانتها المُقدسة بقلوب الملايين وكيف يجب أن نسخر كُل طاقاتنا ونضالاتنا في درب القدس. وحينما أرد بشيء من البرود بأني لا أحمل أية قيمة استثنائية للقُدس، وأني بالمُقابل أقدس حق المقدسيين في تقرير مصير مدينتهم وممارسة شعائرهم الدينية بها. وقتها يبدأ جفاء غير مُعلنٍ على طرفي المُحادثة، وتنتهي دون توافقٍ ونتيجة ذات مضمون.

ثمة أنانية مغلفة وراء ذلك، أنانية ثلاثية الطبقات. أولها أن تعتبر قضيتك أهم من قضايا الآخرين، فلأجلها يجب أن تُجند كل الطاقات، العابرة للحدود والمسافات والشعوب والكيانات، فهي ليست قضية ما، بل هي القضية بذاتها. ثانية اشكال الأنانية تكمن في أعتبار مكانٍ ما وقداسته فوق قداسة ناسه وحقوقهم الطبيعية. فالقدس لا المقدسيون وحقوقهم بمدينتهم هي ما يجب أن يكون قرة النضال. بشيء من اللؤم المُستبطن، للمرء أن يسأل: هل يحق للإسرائيليين أن يمحقوا المقدسيين فيما لو بقيت القدس سالمة! آخر طبقات الأنانية نابعة من مسحة البداهة التي تُغطي الخطاب عن القضية المقدسية، فذووها يُظهرون كامل اشكال الاستعجاب، لو تلقوا خطاباً مُخالفاً، ولو جزئياً، لما يعتبرونه استثنائية بديهية لقضيتهم.

ثمة قوس كبير يُفتح هنا عما يجمع ذوي هذه النزعة التقديسية تجاه القدس والقضية الفلسطينية، مع الكثيرين المعادين للمسألة الفلسطينية، مُنذ ثلاثة أرباع قرن وحتى الآن.

ففلسطين كقيضة مُطلقة ومُجردة وذات أولوية على كُل القضايا الأخرى، كانت جوهر منطق الأنظمة الشمولية والزعماء المتسلطين الذين فتكوا بالقضية الفلسطينية. من الجيوش العربية التي انهزمت في اللحظة التأسيسية، إلى مجازر أيلول الأسود وتل الزعتر ومخيم فلسطين. فأنظمة شمولية وزُعماء مستبدون محقوا قضايا مجتمعاتهم وأحلامهم من أجل قضية فلسطين، وفي الطريق إلى ذلك محقوا الفلسطينيين وحقهم في الدفاع عن قضيتهم بشكلٍ مُستقل. وكان اعتبارهم لفلسطين قضية مُطلقة ومجردة أداة لفعل ذلك.

كانت هذه الأنظمة في عملية محقها للفلسطينيين من أجل فلسطين، تُطابق النهج الإسرائيلي التاريخي التقليدي، الذي كان يحمل قداسة مفرطة لأرض تاريخية هي جغرافية فلسطين، لكنها في الوقت عينه بالغة الاستهتار بسكانها وذويها، الذين هجرتهم وحطمت حقهم في تحديد مصيرهم.

أخيراً، فإن مسحة البداهة المُطلقة لأولوية واستثنائية قضية فلسطين دون باقي القضايا التي تمس كُل تفاصيل حياة الناس ومستقبلهم، طابقت منطق العشرات من الجماعات والتيارات الأيديولوجية، الدينية والقومية واليسارية. فجميعها كانت تُغطي عورة خواء مضمونها وبؤس جدارتها بفلسطين وقضيتها المُقدسة، إلى أن صبغت قضية فلسطين نفسها بنفس الخواء والبؤس.

لا شيء يُمكن أن يكون في خدمة فلسطين والفلسطينيين اليوم مثل محاولة تخليصهم من جدران الأوهام التي بُنيت حولهم. فعودة فلسطين لأن تكون قضية عادية، وإحدى قضايا المنطقة الطبيعية، موازية للقضية الكُردية والأرمنية والأمازيغية والقبطية، وكجزء ومُكمل لقضايا الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، ستكون أداة لأن تتغير وتتحول إلى أفقٍ أكثر حيوية، وأن لا تبقى في ذلك المكان المُبهم الذي هي فيه الآن، كقضية مُجردة وبالغة القداسة وتخص أماكن وذواكر، لا أناس عاديين عيانيين مُباشرين.

لا يعني ذلك أن هذه المسألة يُمكن أن تفقد واحدة من أركانها أو زخمها الذي هي فيه. بل على العكس تماماً، فأنها تُخرجها من فخاخ جميع الطبقات التي تستغل الاستثناء القطعي للمسألة الفلسطينية، الأنظمة الشمولية والزعماء المُستبدين، إسرائيل المُحتلة والتيارات الأيديولوجية.

كتب الكثيرون عن فلسطين والفلسطينيين ومسألتهم، خطوا القصائد وكتبوا الروايات والمسرحيات، انتجوا مسلسلات وافلاماً، غنوا وضحوا في سبيلها. لكن قلما تجد فلسطينياً فعل ذلك بحق الآخرين، وهذا الأمر مُخلٌ بالكثير، أقلها الإخلال بالحُب المُتبادل.

نحب فلسطين والفلسطينيين، كما نحب الكثير من أشيائنا الجميلة، لا أكثر ولا أقل.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...