الحشد الشعبي وسيرة حزب الله

ثمة فيض من القوة يُمكن أن يُلاحظه‎ ‎المرء في تصرفات قادة وزعماء ميليشيا الحشد الشعبي ‏العراقية. تشعر معها أن المُعضلة هي فقط في قلة المسائل الشائكة والبطولية التي يُمكن أن ‏ينشغل بها هذا التنظيم المُسلح. تُتابع قنوات الإعلام العراقي فتراها غارقة في سيرة هذه ‏الميليشيات وأفعالها، فهي تُنظم مُظاهرات بمئات الآلاف في يوم القدس، ويهدد قادتها إقليم ‏كُردستان ومشروعهم الاستقلالي، يُشاركون في معارك مدينة الموصل، يُعلنون نيتهم خوض ‏الانتخابات البرلمانية القادمة، ويعطون رأيهم بقضايا الفساد والقمامة والبيئة والشؤون ‏النسوية…الخ. مشهد يوحي وكأن الدولة العراقية كيان معطوب، والحشد الشعبي هو الوصي ‏على كُل شؤونها. ‏

قوات الحشد الشعبي “الشيعية” تأسست عام 2014 لحماية “المناطق الشيعية” أثناء معارك ‏امتداد تنظيم داعش في ذلك العام. كانت قد شاركت قوات الجيش العراقي في جميع معاركه ‏مُنذ ذلك الوقت، وباتت تلك القوات بُحكم “القوات النِظامية” بعدما أقر البرلمان العراقي قانوناً ‏لتحويلها إلى قوات شرعية. ‏

بهذا المعنى، فأن قوات الحشد الشعبي باتت تأخذ على عاتقها كُل مهام الدولة، سواء اليومية ‏الحياتية، أو العمومية التي تخص احتكار العُنف وفرض النظام العام وعقاب المجموعات الخارجة ‏عما تعتبره قانوناً. بل فوق ذلك، تعتبر أن الدولة بتشكيلتها ونظامها وآليات حُكمها ومنطقها بات ‏جسماً ضاراً، يهدر الطاقة ولا يستطيع أن يُحقق الأهداف المرجوة بأفضل شكل. ومع الدولة ثمة ‏ازدراء أعمق للقوى السياسية ونزعاتها الإيدلوجية، وطبعاً عداوة غير قليلة للمناهضين لأفعالها ‏وخياراتها، بالذات المتأتين من هويات أهلية مُختلفة، كالكُرد والسُنة العراقيين. ‏

بهذا المعنى أيضاً، فأن فائض القوة والشرعية الذي تستبطنه هذه القوة العسكرية، مع ازدرائها ‏للدولة ومواثيقها وقواها السياسية، أنما يُشكل منها النسخة العراقية الأكثر قابلية لتكرار نموذج ‏حزب الله في لُبنان. ‏
على أن الحشد الشعبي يفتقد لحجة حزب الله الرئيسية وعدوه الوظيفي، إسرائيل. لذا فأنه يطور ‏بُنيته الأيدولوجية والسياسية لبناء أعداء وظيفيين داخليين، طالما ثمة استعصاء في بناء ذلك ‏خارجياً. ‏

يُشكل الكُرد ومشروعهم الاستقلالي أول وأكثر القابلين لشغل تلك المكانة. فالحشد الشعبي ‏بأبوته الطافحة يعتبر نفسه مالكاً للعراق كُله، وبذا يعتبر الاستقلال الكُردي استيلاء على أرضه ‏المُقدسة، حيث مع قداسة أرض كُردستان العراق هذه، أنما تزدري قوات الحشد أهل كُردستان ‏وذوها الذين يملكون وحدهم حق تحديد مصير مناطقهم، وتعتبرهم الخطر المكين الذي يُمكن أن ‏يُهدد طموحاتهم. شيء شبيه بما فعله ويفعله حزب الله مع اللبنانيين وأرضهم التي يدعي ‏قداستها. ‏

لا يقل العرب السُنة العراقيون عن الكُرد قابلية لشغل تلك المكانة، خصوصاً لما يسعى الحشد ‏الشعبي لشحذه في الذاكرة الجمعية لمناصريه ضدهم. ففيما يصور أنصاره كمُستضعفين ‏ومظلومين تاريخيين في العراق، فأنه يربط صورة العرب السُنة في المخيلة الجمعية بالطرف الذي ‏تسبب بهذه المظلومية، مُنذ الحجاج وحتى صدام حُسين. شيء مُطابق لما يُحاول حزب الله ‏مُطابقته في الذاكرة الجمعية لمناصريه من الشيعة اللبنانيين، في تحطيم وتشنيع صورة الموارنة ‏والسُنة اللبنانيين. ‏

‏ لذا فكما كان بقاء حزب الله مرتبطاً بحروبه الدائمة مع إسرائيل، فأن قوات الحشد الشعبي لا ‏تستطيع الحفاظ على نفسها دون حروبٍ أهلية داخلية مفتوحة. فهي –أي الحروب الأهلية- مصدر ‏ثروته المادية وشرعية بقاءه.‏
وكما حزب الله بالضبط، فأن الحشد الشعبي قد يمدُ من مجال حروبه، لتصل إلى خارج العراق، ‏إلى سوريا والأردن مثلاً، ورُبما إلى تُركيا وبعض دول الخليج. فالحشد الشعبي بكُل الإمكانيات ‏والخطابية الطهرانية التي يدعيها، ليس سوى أداة جهازية بيد قوة مؤسسة وموجهة لها. فالحشد ‏ليس مشروعاً، بل جزء تفصيلي وعضوي من مشروع، بالضبط أيضاً كحزب الله. ‏

‏ على أن المهمة الأصعب للحشد الشعبي داخلية جداً. فحتى يُحافظ الحشد على وجوده، لا بُد ‏له من تحطيم المُجتمع العراقي، كُل منابت مناعته المدنية والثقافية والاقتصادية، ومثل تحطيم ‏المُجتمع لا بُد له من تحطيم الدولة العراقية، بمؤسساتها ومواثيقها ومنطقها. فالتشكيلات ‏العسكرية العُصبوية كحزب الله والحشد الشعبي، لا تستطيع أن تحيا بأمانٍ إلا في مُجتمعات ‏مُحطمة ودولٍ مُهترئة. وإن لم تكن كذلك، فعليها أن تصبح كذلك. ‏

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...