الريف العالمي‏

المقال المقروء: 

أو على الساوندكلاود

في معاينة لخارطة الناخبين في كُل من تُركيا وفرنسا والولايات المُتحدة، ومعها العديد من الدول والتجارب ‏الأخرى، يظهر جلياً بأنه ثمة “كُتلة من الساخطين”، يتمركزون في الأرياف الوسطى من هذه البُلدان، يصوتون ‏للأحزاب المُحافظة اجتماعياً واقتصادياً، التي تجمع الشعبوية القومية المناهضة للـ”الغرباء المحليين”، مع نفور ‏قائم على المظلومية تجاه دول الجوار. ‏
يتمايز هؤلاء الريفيون عن طبقتين آخرتين من ناخبي هذه الدول: سُكان المُدن التقليديون، المنتمون اقتصادياً ‏للطبقات الوسطى والمُرفهة، من المستحوذين على مستويات عالية من التعليم، ذوو الخيارات الثقافية ‏الليبرالية. هؤلاء الذين يُمكن وسمهم بالمُسيطرين على الرأسمال المركزي الاقتصادي والاجتماعي للبُلدان التي ‏يحيون بها، أي المركزيون الرئيسيون. هذه الطبقة التي تبحث عن استقرار الأحوال، لذا فالمنتمون لها يصوتون ‏للأحزاب التي تُحفظ لهم مستواهم الاقتصادي والاجتماعي في آن، كالأحزاب التقدمية اجتماعياً والمحافظة ‏اقتصادياً. كالحزب الديمقراطي الأمريكي والشعب الجمهوري التُركي والاشتراكي الفرنسي. ‏
الطبقة التقليدية الأخرى، هي تلك المؤلفة من تراكم الطبقات الاجتماعية الرسوبية من سُكان ضواحي المُدن ‏الكبرى في هذه البُلدان، الذين جمعوا بين هويات اجتماعية ثانوية غير مركزية في هذه البُلدان، مع هامشية ‏اقتصادية، يشكل العاطلون عن العمل والمهمشون جوهرها وديناميكيتها الأكثر حيوية. شكل هؤلاء طبقة ‏الرفض التقليدية، حيث تلقفتهم الأحزاب اليسارية الشعبوية، حين وعدتهم بمساواة اقتصادية ومركزية ‏اجتماعية ورمزية مُفترضة. ‏
ضمن هذا الاستقطاب، كانت طبقة الناخبين الريفيين التقليدية غير مرئية بين هاتين الطبقتين التقليديتين، ‏اللتان توازعتا الولاء بين اليمين واليسار التقليديين في هذه البُلدان. لكن عاملين جديدين ساعدا على عودة ‏ظهور هذه الطبقة الريفية، التي لم تعد زراعية فحسب. ‏
من جهة كانت وسائل التواصل والحضور السياسي التقليدية تحجر عنها الحيوية السياسية والثقافية، فقد ‏كانت بعيدة عن الجدالات والقضايا المركزية في هذه البُلدان. لذا فكانت ترضى على الدوام بأن ينوب عنها وعن ‏خياراتها تيارٌ سياسي بعينه، حاضر وذو تأثير في المُدن والحواضر المركزية، التي اُحتكرت فيها السياسية والشأن ‏العام. مُقابل ذلك فأن هذه الأحزاب التقليدية بدورها كانت قد أمنت على الدوام آليات وديناميكيات لضبط ‏ولاء هذه الأرياف الهامشية. ففي تُركيا مثلاً كان ولاء زُعماء العشائر والطُرق الدينية واسعي الانتشار في البِلاد، ‏كان يتبدل بشكل أوتوماتيكي من حزبٍ حاكمٍ وآخر، لأن كل حزبٍ حاكم كان يؤمن لها موقعها واستقرارها ‏المديد، أياً كانت ايدلوجية وبرنامج هذا الحزب. ‏
تغيرت علاقة التعبئة هذه مع تطور وسائل التواصل الاجتماعية، وبات الريف جزء حيوياً من كُل النقاشات ‏الجوهرية في هذه البُلدان، ولم يعد الريفيون يقبلون بحصتهم المتواضعة من ثروة البِلاد المادية والرمزية، ‏ويهددون الأحزاب التقليدية التي كانت تؤمن لهم ذلك القدر اليسير من الاستقرار مع الهامشية. غيرت وسائل ‏التواصل من وعي الريفيين بذواتهم وكيانهم وأدوارهم في هذه الكيانات. ‏
العامل الآخر لتحول تموضع الريفيين في الحياة العامة تمثل بالتهديد الناعم للهوية الوطنية المركزية في هذه ‏البُلدان، التي يرى الريفيون أنفسهم ذويها الأصليين. فالمهاجرون والعولمة والاتحادات السياسية المفتوحة، مع ‏عوالم الاقتصاديات الليبرالية العابرة للحدود، تشكل معاً تهديداً لما يظنه الريفيون تعكيراً و كسراً لهويات ‏بُلدانهم وطمأنينتهم الداخلية التقليدية المديدة. ‏
أن صيغة الأحزاب الشعبوية الجديدة تقوم على تنمية مخاوف الريفيين تجاه هذا التهديد الناعم لهويتهم، ‏والإيحاء بأن هوية الكيان التي تؤمن لهم الاستقرار الرمزي والمادي أنما مُهددة من قِبل هؤلاء الغُرباء المحليين، ‏المُتعاقدين مع نُخب المدن الحاكمة. لذا، وحسب هذه الرؤية الشعبوية، فأن إعادة الصيغة الجوهرية للبُلدان ‏هذه، تمر عبر تحطيم هذا التحالف بين النُخب المدنية والغرباء المحليين. ‏
لا تنتمي التحولات التي قد يخلقها الريفيون العالميون الجدد في الانتخابات العامة في أكثر من بلد، لا تنتمي ‏فقط إلى اشكال السُلطة الفوقية التي قد تحكم لسنوات ثم تتخلى عن السُلطة، بل هي من أشكال محاولات ‏إعادة صياغة الحياة العامة وشكل الدولة ودورها. بالضبط كما فعل ريفيونا المحليون قبل أكثر من نصف ‏قرن، حين فاضوا على المُدنِ والبِلاد كُلها، وثم اغرقوها مع أهلها.‏

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...