عم تسمعوا:
الأحد 30

موسيقى ومتفرقات

الإثنين, 17 أبريل, 2017 عالـ 11:35 م - الأربعاء, 18 أبريل, 2018 عالـ 1:30 ص

سوريا واسرائيل في علاقة حب غير معلنة

المقال المسموع: 

أو عالساوندكلاود

كأمر بالغ العادية، وكما مراتٍ لا تُحصى، تقوم طائرات إسرائيلية بقصف مخازن ومناطق عسكرية للنِظام السوري، أو قوافل أسلحة مُرسلة لحزب الله، ثم تعود إدراجها سالمة. وكما كُل مرةٍ أيضاً، يكتفي النِظام السوري بالردود الخِطابية، بجُملته الخالدة “نحتفِظُ بحق الرد”، ونادراً ما يقوم بفعلٍ ذي معنى، كإطلاق المُضادات الأرضية السورية، بعد أن تصل الطائرات الإسرائيلية إلى قواعدها سالمة.

الغريب، أن كِلا الطرفين لم يُصدق قط بأن أن هذه المواجهات حقيقية، فكِلاهُما يملكُ روابط ومشاعر دفينة تجاه الآخر، تبدأ من الإحساس العملي بالحمائية المُتبادلة بينهُما، وتنتهي بالتطابق الأيديولوجي الأعمق والأكثر موضوعية الجامع لهُما، والقائم على الازدراء العميقٍ لمُجتمعات المنطقة ومصالحها وخياراتها، من الشعب السوري إلى نظيريه الفلسطيني واللبناني، ومن حركة فتح إلى اليسارين السوري واللبناني. ويجمع كذلك بين الطرفين الارتكاز على بُنية نفسية وطبقية قائمة على وهم التفوق على هذه الجماعات وتياراتها السياسية، وتمر عبر خيطٍ طويلٍ من الأحداث والمُجريات التي تقوم على عدم دخول الطرفين في أية مواجهة حقيقية، مُنذ قُرابة نصف قرن.

التراجيدي في المسألة، أنه بالرُغم من كُل تلك المداخل والديناميكيات الحميمة التي تجمع بين الطرفين، إلا أن أي مُنهما لا يستطيع أن يُعبر بصراحة عما يكنُه من ودٍ للآخر، حتى أن التظاهر بالعداء المُتبادل بينُهما يكاد يكون من أهم مصادر شرعية كليهما. فالنِظام السوري الذي حكم شعبه وشعوباً مجاورة، يرفع لواء عدائه ومُمانعته للكيان الاسرائيلي، في وجه كُل المُعترضين على سلوكياته الآثمة. الشيء نفسه تفعله الدولة الإسرائيلية، إذ لم تتوقف عن تصدير دعاية مظلومية الكيان الاسرائيلي، الذي يحيا في غابة من الأنظمة الأيدولوجية والشعوب غير الحضرية، حسب تلك الرواية.

لسنوات طويلة، حافظ الطرفان على شكلٍ من العلاقة الاستثنائية، شيءٌ يُمكن تسميته بـ”العداوة الودودة”، فبالضبط كما كان النِظام السوري يُطالب السوريين بالتعبير الدائم عن الولاء والطاعة له، بالرُغم من إدراكه العميق بأن هذا الولاء مُتظاهر وغير حقيقي، فأن كِلا النِظامين كانا يطلُبان من مُجتمعاتهما الداخلية والقوى الإقليمية والدولية أن تفعل الشيء ذاته، وذلك بأن تتظاهر بتصديق العداء بين إسرائيل والنِظام السوري، دون أن تُصدق حقيقة بأنه ثمة شيء من ذلك.

بالتقادم امتدت تلك العلاقة لأن تمُس كل الجهات الراعية للطرفين، شيء شبيه للعلاقة المركبة بين “أهل الحبيبين”.

فعلاقة كامل محور المُمانعة الراعي للنِظام السوري بالدولة الإسرائيلية، تكاد تطابق شكل علاقة النظام السوري بها. مُجرد خطابات ذكورية رنانة، وصلت عند أحد السياسيين الإيرانيين إلى التصريح بقُدرة دولته على محو إسرائيل خلال سبع دقائق ونصف، لكن دون أي فعلٍ عسكري أو سياسي أو تنموي حقيقي قد يؤذي الدولة الاسرائيلية، بل تكبح وتلوي ذراع أي تيارٍ يُمكن أن يكون معادياً فعلياً لإسرائيل ومصالحها. وما بعض المُناوشات والمواجهات المضبوطة بين الطرفين، سوى محاولات لإعادة ترتيب أحوالها في مُجتمعاتها الداخلية.

وبحال شبيه، فأن النِظام العالمي وثيق الصِلة بالدولة الإسرائيلية، ورغم كُل انتقاداته عالية النبرة تجاه النِظام السوري؛ إلا أن هذا النِظام العالمي، يعي تماماً أن الأدوار الأمنية والاستراتيجية التي يؤديها النِظام السوري تجاه معادلات المنطقة، وعلى رأسها الأمن والاستقرار الذي تعيشه إسرائيل، ضرورة استراتيجية تماماً، ويعي كذلك قُدرة النِظام السوري على ضبط وكبح جميع التيارات المناهضة فعلياً للجانب الاسرائيلي.

بالمُحصلة، فأن حكاية “الحُب غير المُعلن” بين الطرفين، سمحت لكِلا الطرفين بالحِفاظ على استقرارِهما بالرُغم من كُل سلوكياتهُما تجاه مُجتمعاتهما الداخلية. لكن ذلك الحُب غير المُعلن كان مُتعامداً على الدوام بـ”عداوة ودودة”، أمتنعت معها إمكانية سلامٍ ذي معنى بينهُما.

بين الأمرين، دُفعت أثمانٌ لا توصف، وتأسس الاستعصاء الرهيب لإمكانية حدوث أي تحول مُمكن. وطال ذلك كُل دول المنطقة. فالعلاقة مع اسرائيل، كانت على الدوام أهم مصادر شرعية أنظمة حُكم دول المنطقة، بالذات أقلها استحواذاً للشرعيات الأخرى، وهو بالضبط ما حول منطقة الشرق الأوسط لمنبتٍ مُستمرٍ لسوء الاستقرار العالمي. الذي لا يُمكن له أن يعود مُستقراً إلا بأحد شكلين، فأما أن تتغير العلاقة لأن تكون عداوة غير ودودة، أو حُباً مُعلناً.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *